ببساطة
طوّر باحثون في جامعة ولاية أريزونا مصدرًا صغيرًا للأشعة السينية يلتقط تغيّرات سريعة جدًا داخل مادة كمومية. سخّنوا عينة بومضة ضوء، ثم استخدموا الأشعة لتتبّع تغيّر ترتيب ذراتها وإلكتروناتها. يساعد هذا الأسلوب العلماء على فهم مواد قد تُستخدم في الإلكترونيات، ويمهّد لاحقًا لدراسة البروتينات أيضًا.
حين تتغيّر مادة بفعل الضوء أو الحرارة، قد تحدث التحولات المهمة داخلها أسرع من أن تلتقطها أدوات التصوير المعتادة. في منشأة ASU X-Beams بجامعة ولاية أريزونا، اختبر فريق بحثي مصدرًا مدمجًا للأشعة السينية صُمّم لمتابعة تلك اللحظات الخاطفة. وأظهرت التجربة أن الجهاز قادر على رصد تحولات بنيوية سريعة في مادة كمومية، في خطوة تفتح المجال أمام استخدامه لدراسة مواد وتقنيات ذات أهمية علمية وطبية وصناعية.
لماذا نحتاج إلى تصوير الذرات وهي تتحرك؟
تبدو المواد الصلبة ثابتة للعين، لكنها على المقاييس الذرية والكمومية ليست ساكنة بالضرورة. فالضوء أو الحرارة قد يغيّران مواقع الذرات أو طريقة ترتيب الإلكترونات، وقد تقود هذه التغيرات إلى تبدل خصائص المادة. لفهم ما يحدث، لا يكفي أن نقارن صورة قبل المعالجة بأخرى بعدها؛ بل نحتاج إلى متابعة مراحل الانتقال نفسها، ومعرفة كيف يبدأ التغيير وكيف يتطور.
هنا يأتي دور القياس المعتمد على الزمن. يرسل الباحثون نبضة ليزر إلى العينة لإثارة المادة، ثم يستخدمون نبضة أشعة سينية لفحص بنيتها بعد فترة زمنية مضبوطة. بتغيير الفاصل بين النبضتين، يمكن تكوين سلسلة من اللقطات التي تمثل تطور المادة. تشبه الفكرة تصوير حركة سريعة بإطارات متتابعة، لكن موضوع التصوير هنا هو البنية الدقيقة للعينة، لا جسم يمكن رؤيته بالعين.
تحدث بعض هذه العمليات في نطاق الفيمتوثانية، أي جزء من مليون مليار جزء من الثانية. لذلك يتطلب الأمر مصدرًا قادرًا على إنتاج نبضات قصيرة، إلى جانب تحكم بالغ الدقة في توقيتها. فالقياس لا ينجح بمجرد امتلاك أشعة قوية؛ يجب أن تصل نبضة الأشعة السينية إلى العينة في اللحظة المناسبة بالنسبة إلى نبضة الليزر التي بدأت التغيير.
منشأة مدمجة تدخل مرحلة الاستخدام البحثي
عمل فريق جامعة ولاية أريزونا على تطوير منشأة ASU X-Beams لتوفير إمكانات متقدمة لدراسة المادة باستخدام الأشعة السينية، ضمن مساحة أصغر من مرافق مصادر الأشعة واسعة النطاق. وقد استند المشروع إلى دعم من المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، إلى جانب مساهمات خيرية خاصة. ووفق الإعلان الصادر في 31 أكتوبر 2026، اجتاز الجهاز اختبارًا تشغيليًا مهمًا، وأصبحت المنشأة تتجه إلى بدء عملها بوصفها مرفقًا وطنيًا يستقبل باحثين من أنحاء العالم.
المقصود بالاختبار التشغيلي هنا ليس مجرد تشغيل الجهاز، بل التأكد من أن مكوناته تعمل معًا لإجراء تجربة علمية فعلية. فقد أثبت المصدر المدمج، المعروف باسم CXLS، قدرته على إنتاج نبضات أشعة سينية فائقة السرعة واستخدامها في قياس زمني لديناميات مادة كمومية. وتصف الجامعة هذه النتيجة بأنها إنجاز غير مسبوق ضمن فئة أجهزة الأشعة السينية المدمجة، وبداية عملية لتوسيع التجارب المتاحة في المنشأة.
يقود مختبر CXFEL في الجامعة أرفيندر ساندو، أستاذ الفيزياء ومدير المختبر. ويضم الفريق الأوسع نحو 80 باحثًا ومتخصصًا، من بينهم خبراء في الليزر وعلوم الحاسوب والهندسة والأحياء. وتوضح المشاركة المتنوعة أن بناء مصدر أشعة سينية من هذا النوع لا يعتمد على الفيزياء وحدها؛ إذ يتطلب تنسيق أنظمة ضوئية وأجهزة قياس وبرمجيات ومكونات هندسية، ثم تحويلها إلى أداة يمكن استخدامها في أسئلة علمية مختلفة.
مادة كمومية تكشف تبدلًا في ترتيب الإلكترونات
اختار الباحثون مادة 1T-ثنائي كبريتيد التنتالوم، وصيغتها TaS2، لاختبار الجهاز. لهذه المادة حالات إلكترونية وبنيوية متغيرة، ولا تزال خصائصها موضع اهتمام علمي. ومن الظواهر التي تظهر فيها موجات كثافة الشحنة: أنماط مرتبطة بتوزع الإلكترونات داخل المادة، ويمكن النظر إليها بوصفها ترتيبًا جماعيًا يتكرر عبر البلورة، لا حركة إلكترون منفرد بمعزل عن محيطه.
في التجربة، استخدم الفريق نبضة ليزر بالأشعة تحت الحمراء القريبة طولها الموجي 800 نانومتر لتسخين العينة وإثارتها. وبعد أن استجابت المادة، فحص الباحثون بنيتها بواسطة نبضات الأشعة السينية. وعندما تتفاعل الأشعة مع العينة، يتشتت جزء منها بنمط يرتبط بترتيب الذرات والإلكترونات؛ وبتسجيل هذا النمط على كاشف، يستطيع العلماء متابعة التغيرات البنيوية التي طرأت على المادة.
كانت الخطوة الحاسمة هي ضبط وصول نبضة الليزر ونبضة الأشعة السينية إلى العينة بحيث لا يفصل بينهما أكثر من نانوثانية واحدة. النانوثانية أطول بكثير من الفيمتوثانية، لكن المحافظة على التزامن ضمن هذا الحد كانت شرطًا أساسيًا للتجربة. فإذا وصل شعاع الفحص في وقت غير مناسب، فقد لا يعكس القياس الحالة التي أراد الباحثون رصدها، لأن المادة تكون قد بدأت بالفعل الانتقال بين أوضاعها المختلفة.
لقطات من ولادة طور جديد
عند درجة حرارة الغرفة، تكون المادة في ترتيب يُعرف بموجة كثافة شحنة شبه متوافقة؛ أي إن نمط توزع الإلكترونات يحتفظ بدرجة من الانتظام بالنسبة إلى الشبكة البلورية. لكن إثارة العينة بالليزر دفعتها نحو حالة أقل انتظامًا وأعلى طاقة، تُعرف بالطور غير المتوافق. وبذلك لم تكن التجربة مجرد تصوير للمادة بعد تسخينها، وإنما رصدًا لكيفية تبدل ترتيبها مع مرور الزمن.
تابعت القياسات ظهور الطور الجديد واتساعه، وأظهرت أن مناطق مجهرية صغيرة أخذت تندمج لتشكّل مناطق أكبر وأكثر تماسكًا. جرى تتبع هذا التطور على أزمنة تمتد من بضعة بيكوثوانٍ إلى عدة نانوثوانٍ. والبيكوثانية تساوي جزءًا من تريليون جزء من الثانية؛ لذا فإن الفترة المقاسة، على الرغم من قصرها الشديد، تتيح نافذة مهمة لفهم تطور البنية بعد إثارة المادة.
يشرح هذا النوع من القياس كيف يمكن للتحول أن ينمو مكانيًا، لا أن يحدث كقفزة واحدة متجانسة في كل العينة. فمعرفة ما إذا كانت مناطق صغيرة تتكون أولًا ثم تتحد، أو كيف يتغير نمطها بمرور الزمن، تساعد على بناء صورة أدق عن سلوك المادة. وقد شدد صامويل تيتلباوم، الأستاذ المساعد في الفيزياء بجامعة ولاية أريزونا والمتخصص في هذه القياسات، على أن البيانات أظهرت نشوء الطور غير المتوافق ونموه عبر اندماج نطاقات صغيرة.
ما الذي تضيفه الأشعة السينية إلى التجربة؟
لا تُنتج الأشعة السينية فيلمًا مرئيًا للذرات كما تظهر الأجسام في كاميرا عادية. بدلًا من ذلك، تكشف أنماط تفاعلها مع العينة معلومات عن البنية الداخلية. وعندما تُكرر عملية الإثارة والقياس مع تغيير التأخير الزمني، يمكن تجميع نقاط متعددة في تسلسل يصف تطور المادة. لذلك يُستخدم تعبير «فيلم جزيئي» مجازًا للدلالة على إعادة بناء الحركة من قياسات سريعة ومتتابعة.
وتبرز أهمية النبضات القصيرة في أن القياس ينبغي أن يلتقط حالة المادة قبل أن تتغير بفعل استمرار التسخين أو تتضرر العينة من التجربة. إن جعل زمن الفحص أقصر من زمن التغير المطلوب دراسته يقلل احتمال أن تختلط مراحل مختلفة في قراءة واحدة. أما إحكام التوقيت بين الليزر والأشعة السينية فيساعد على ربط كل قياس باللحظة المحددة التي بلغتها العينة بعد الإثارة.
تشير التجربة إلى إمكان دراسة فئة أوسع من الأسئلة، وليس مادة TaS2 وحدها. فالتقنية التي تتابع إعادة ترتيب الذرات والإلكترونات قد تساعد على فحص استجابة مواد أخرى للضوء أو الحرارة. ويهم ذلك الباحثين الذين يسعون إلى فهم أسباب تغير الخصائص الإلكترونية أو البنيوية في المواد، أو معرفة الظروف التي تبدأ عندها المادة في التحول إلى حالة مختلفة.
صلة النتائج بالإلكترونيات والمواد المتقدمة
تجذب موجات كثافة الشحنة في TaS2 الانتباه بسبب صلتها المحتملة بمواد يمكن أن تخدم تطبيقات إلكترونية مستقبلية. ومن المجالات التي ترد في سياق الاهتمام بهذه المادة تخزين الذاكرة، وأجهزة الاستشعار، والحوسبة الكمومية الطوبولوجية. غير أن التجربة لا تعني أن هذه التطبيقات أصبحت جاهزة أو أن الجهاز صنع منتجًا جديدًا؛ إنما توفر أداة لفهم السلوك الأساسي الذي قد يساعد العلماء على تقييم المواد وتطويرها لاحقًا.
وقد تكون متابعة استجابة المادة للحرارة مفيدة أيضًا في فهم الإجهاد الحراري. فالمكونات الإلكترونية تعمل ضمن ظروف قد تتغير فيها درجات الحرارة، ومعرفة كيف يعيد ترتيب المادة بنيتها عند التسخين قد تساعد في تفسير بعض حالات تغير الأداء أو الفشل. لكن الدراسة الحالية كانت اختبارًا لقدرة المصدر على رصد التحول في عينة كمومية، وليست اختبارًا مباشرًا لعمر لوحة إلكترونية أو لتصميم جهاز تجاري.
هذه الحدود مهمة عند قراءة الخبر: الإنجاز المباشر هو إثبات قدرة CXLS على إجراء قياسات زمنية سريعة لتغيرات بنيوية في نظام كمومي. أما الأثر التطبيقي، فيأتي من توسيع ما يمكن للباحثين قياسه وفهمه. وكلما أمكن رصد المراحل المبكرة للتحول، أصبح من الأسهل صياغة أسئلة أدق حول العلاقة بين ترتيب الذرات والإلكترونات وبين خصائص المادة.
المحطة التالية: البروتينات ومصدر أسرع
بعد تجربة TaS2، يعتزم الفريق الانتقال إلى دراسة ديناميات الزمن في بلورات البروتين. ويخطط الباحثون لاختيار بروتينات لها أهمية بسبب أدوارها في الأمراض البشرية أو في تطبيقات مرتبطة بالطاقة المتجددة. وكانت المجموعة قد أعلنت سابقًا أنها تمكنت من تحديد بنية بروتينها الأولى، فيما تسعى الآن إلى تطوير القدرة على تتبع التغيرات في البروتينات، لا الاكتفاء بوصف شكلها البنيوي في حالة واحدة.
هذا الانتقال يوضح كيف يمكن أن تخدم الأداة أسئلة متعددة ضمن المجال نفسه، أي كشف التغيرات البنيوية السريعة. فالبروتينات جزيئات تتخذ أشكالًا ترتبط بوظائفها، ويمكن أن تساعد دراسة حركتها على فهم عمليات حيوية أو آليات لها أهمية تطبيقية. لكن المصدر لا يحدد بعد البروتينات التي ستُدرس أو النتائج التي ستخرج بها التجارب المقبلة، ولذلك تبقى هذه المرحلة هدفًا بحثيًا قيد الإعداد.
تعمل الجامعة أيضًا على بناء جهاز ثانٍ أكثر قابلية للضبط وأسرع، ضمن مشروع CXFEL، مع توقع اكتماله في عام 2028. وستستند أعمال تطويره إلى الدروس المستفادة من CXLS، مع إجراء تجارب إضافية لتحسين أدائه. وبهذا يتكون المشروع على مرحلتين: مصدر قائم أثبت إمكان إجراء القياسات، ثم أداة أخرى يجري إعدادها لتوسيع نطاق التحكم والسرعة.
من مختبر جامعي إلى مرفق للباحثين
تسعى جامعة ولاية أريزونا إلى أن تكون منشأة X-Beams مرفقًا علميًا يخدم مستخدمين من المجتمع البحثي الدولي. ويعني ذلك أن قيمة الجهاز لا تقاس فقط بالنتائج التي يحصل عليها الفريق الذي أنشأه، بل أيضًا بالأسئلة التي يمكن لعلماء آخرين اختبارها باستخدامه. فالتحول إلى مرفق للمستخدمين يتيح، من حيث المبدأ، مشاركة الإمكانات بين تخصصات مختلفة، من فيزياء المواد إلى دراسة البروتينات والتصوير.
يرى ساندو أن الجمع بين الحجم المدمج والنبضات السريعة قد يفتح طريقًا جديدًا لاستخدام الأشعة السينية في مجالات علمية وصناعية وطبية. ومع ذلك، فإن الحديث عن تطبيقات مستقبلية ينبغي تمييزه عن النتائج التي تحققت بالفعل: التجربة الحالية برهنت على قياس زمني لتغيرات كمومية، فيما يتطلب تحويل هذه الإمكانات إلى أدوات عملية أخرى تجارب وتطويرًا إضافيين.
تكمن أهمية المشروع أيضًا في أن تشغيل مصدر مدمج بهذه القدرات يتطلب تعاون تخصصات متعددة، وهو ما يفسر مشاركة نحو 80 شخصًا في إنجاز المنشأة. فنجاح التجربة يعتمد على مواءمة الليزر والأشعة السينية والعينة والكاشف، وعلى معالجة القياسات بما يسمح باستخلاص تغيرات دقيقة. ومن خلال افتتاح المنشأة للباحثين، يأمل الفريق أن تتحول هذه البنية إلى منصة تتيح اختبار مواد وأسئلة جديدة، لا إلى جهاز مخصص لتجربة واحدة.
الخاتمة
أثبت اختبار مصدر CXLS في منشأة ASU X-Beams أن جهازًا مدمجًا للأشعة السينية يستطيع تتبع تغيرات سريعة في مادة كمومية، عبر مزامنة نبضة ليزر بالأشعة تحت الحمراء القريبة طولها 800 نانومتر مع نبضات الفحص ضمن فارق لا يتجاوز نانوثانية واحدة. ورصد الفريق نشوء طور غير متوافق في TaS2 ونموه، من نطاقات مجهرية إلى مناطق أكبر، خلال أزمنة من بضع بيكوثوانٍ إلى عدة نانوثوانٍ. ويمثل ذلك إثباتًا لقدرة قياسية تفتح الباب أمام أبحاث أوسع، منها دراسة بلورات البروتين، بينما يُنتظر اكتمال الجهاز الثاني الأكثر قابلية للضبط والسرعة في 2028. والنتيجة الأهم ليست تطبيقًا جاهزًا، بل نافذة زمنية جديدة لفهم كيف تتغير المادة عند إثارتها.