لطالما اعتُبر كوكب عطارد، نظراً لقربه الشديد من الشمس، مكانًا غير مضياف للمياه في أي شكل كان. ومع ذلك، كشفت أبحاث حديثة عن مفاجآت قد تغير هذا التصور تماماً، حيث تشير الدراسات إلى أن عطارد قد يحتوي على كميات كبيرة من الجليد المائي في مناطقه القطبية.
ظروف عطارد القاسية
عطارد، الكوكب الأقرب إلى الشمس، يتميز بدرجات حرارة سطحية عالية جداً تصل إلى 427 درجة مئوية. تظهر الشمس في سمائه أكبر بثلاث مرات مما نراها من الأرض، مما يجعل فكرة بقاء الماء على سطحه ضرباً من الخيال. ومع ذلك، فإن الأبحاث الحديثة تشير إلى وجود جليد مائي في الفوهات المظلمة الدائمة في مناطقه القطبية.
كيف يمكن للجليد أن يتواجد على عطارد؟
تعود فكرة وجود الماء المجمد على عطارد إلى ملاحظات تمت في التسعينيات من خلال تلسكوبات أرضية، والتي أكدتها فيما بعد مركبة ميسنجر الفضائية التابعة لناسا. الفوهات العميقة في القطبين، التي لا تتعرض لأشعة الشمس المباشرة، توفر بيئات محمية يمكن أن تحافظ على الجليد.
ولكن كيف وصل هذا الجليد إلى هناك؟ إحدى النظريات الرائدة تشير إلى أن الاصطدامات مع المذنبات أو الكويكبات الغنية بالماء قد تكون المسؤولة عن ذلك. يمكن أن يكون اصطدام مشابه لذلك الذي شكل فوهة هوكوساي، التي تمتد على عرض 97 كيلومترًا، قد أدى إلى انطلاق المواد المائية وانتشارها على سطح عطارد.
تجارب المحاكاة والإثباتات العلمية
قام فريق من العلماء بقيادة الباحثة بارفاثي بريم من مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز بإجراء تجارب محاكاة حاسوبية لاصطدام مشابه لاصطدام هوكوساي. أظهرت النتائج أن الاصطدام الذي ينطوي على جسم قطره 17 كيلومترًا يمكن أن يولد غلافًا جويًا مؤقتًا كثيفًا حول الكوكب يحتوي على بخار الماء.
هذا الغلاف الجوي المؤقت يحمي بخار الماء من التحلل بسبب الإشعاع الشمسي، مما يسمح له بالبقاء لفترة كافية ليستقر في الفوهات المظللة بشكل دائم.
الملاحظات المستقبلية والمهمات القادمة
تتطلع الأوساط العلمية إلى المهمة المشتركة بين أوروبا واليابان، بيبي كولومبو، التي من المتوقع أن تقدم رؤى جديدة حول أصل الجليد القطبي على عطارد. هذه المهمة ستقوم بدراسة الكوكب من مدارات مختلفة، مما يوفر بيانات دقيقة يمكن أن تعزز فهمنا لكيفية تكون المياه على عطارد.
الخاتمة
تفتح هذه الاكتشافات آفاقًا جديدة لفهمنا لكوكب عطارد، وتتحدى الفرضيات القديمة حول عدم وجود الماء في أقرب الكواكب للشمس. إذا تأكدت هذه النتائج، فقد تكون لها آثار كبيرة على فهمنا لتكوين الكواكب وتوزيع المواد المتطايرة في النظام الشمسي.