تخطى إلى المحتوى

كيف تعيد الأشجار تقويم أجسامها؟ خشبٌ يشدّ الجذع في اتجاهين

ببساطة

لا تنمو الأشجار مستقيمة بفعل الضوء والجاذبية وحدهما؛ فهي تتابع أيضاً شكل جذوعها، وتستطيع تعديل نموها عندما تنحني. أظهر بحث على أشجار الحور أن نوعاً خاصاً من الخشب ينمو على جانب من الجذع أو الجانب المقابل، مولّداً قوة تساعد الشجرة على تغيير وضعها. وقد يفتح ذلك باباً لفهم قدرة الأشجار على مواجهة الانحناء وتحسين جودة الخشب والمحاصيل.

قد يبدو الجذع الثابت ساكناً، لكن داخله عملية مستمرة من التعديل والنمو. فإذا مال أو انحنى، لا تعتمد الشجرة على الظروف المحيطة بها فقط كي تستجيب؛ إذ تشير النتائج إلى أنها تلتقط أيضاً معلومات عن وضع جسمها، ثم توجّه نمو أنسجتها بما يساعدها على تصحيح شكلها. وتكشف دراسة تناولت أشجار الحور عن دور لافت لنوع من الخشب قادر على توليد قوة شدّ، وعن صلة بين هذا الخشب وبين ما يمكن وصفه بحسّ النبات الداخلي بوضعه.

إشارات خارجية وحسّ من داخل النبات

تستعين النباتات بعدة دلائل وهي تنمو. فالجاذبية توفر لها معلومة عن الاتجاه، ويمنحها الضوء إشارة إلى الجهة التي يأتي منها. وإلى جانب ذلك، تستطيع النباتات رصد هيئة سيقانها ومواقعها، وهو جانب يُعرف باسم الحسّ العميق أو إدراك وضع الجسم. ويشبه هذا المفهوم، من حيث الوظيفة العامة، قدرة الكائن على معرفة وضع أطرافه من دون الحاجة إلى النظر إليها، لكن ذلك لا يعني أن النبات يمتلك جهازاً عصبياً أو إحساساً مماثلاً لإحساس الحيوان.

كان التحدي أمام الباحثين هو معرفة ما إذا كان شكل الساق وحده قادراً على توجيه استجابة النمو، بمعزل عن تأثير الضوء والجاذبية. فعندما تنحني شجرة، قد يكون اتجاه استجابتها مرتبطاً بهذه العوامل الخارجية، ومن الصعب عندئذ تحديد مقدار ما يعود إلى مراقبتها الداخلية لشكلها. لذلك احتاج الفريق إلى إعداد تجربة تقلل الإشارات الاتجاهية المعتادة وتتيح اختبار أثر شكل الجذع.

استندت الدراسة إلى عمل باحثين، من بينهم فريق مرتبط بمؤسسة INRAE الفرنسية، ونُشرت نتائجهم في مجلة Science. ويشرح العمل كيف يمكن وصل الإحساس بوضع النبات بالتغييرات التي تظهر في الخشب النامي، بدلاً من الاكتفاء بوصف انحناء الساق أو عودتها نحو الاستقامة.

تجربة تعزل أثر شكل الجذع

بدأت التجربة بأشجار حور صغيرة وُضعت أفقياً. ومع نموها أخذت السيقان تنحني تدريجياً إلى أعلى، في محاولة لإعادة القمم نحو وضع رأسي. وبعد نحو عشرة أيام، حين أصبح الانحناء واضحاً، نُقلت الأشجار إلى جهاز تجريبي صُمم لإضعاف اعتمادها على إشارات الاتجاه المألوفة.

وُضعت الأشجار على منصة أفقية تدور حول محورها داخل كرة يصل الضوء إلى أجزائها من مختلف الجهات على نحو متساوٍ. ساعد دوران المنصة على منع الجاذبية من تقديم إشارة ثابتة إلى جهة واحدة، بينما قلل توزيع الإضاءة المتجانس من وجود اتجاه ضوئي مفضل. لم يكن الهدف جعل الشجرة بلا بيئة، بل تقليل ما قد يربك الاختبار من دلائل خارجية، حتى يتمكن الباحثون من فحص استجابتها لشكلها.

بعد نقل الأشجار، لم تبق السيقان على الانحناء الذي اكتسبته قبل ذلك. فعلى مدى الأسابيع التالية أخذت تستقيم بالتدريج، حتى قاربت هيئة الجذوع أن تصبح مستقيمة من جديد. وكان هذا التحول مهماً لأن ظروف التجربة جعلت من الصعب تفسيره بالاعتماد المعتاد على اتجاه الضوء أو على إشارة جاذبية ثابتة. وهكذا برز سؤال أكثر تحديداً: ما الذي تغيّر داخل الساق بينما كانت تعود إلى وضع أقرب إلى الاستقامة؟

خشب يولّد قوة شدّ

لفهم ما حدث، فحص الباحثون الخشب الذي تكوّن خلال نمو الأشجار. وركزوا على ما يُسمى خشب الشدّ، وهو نوع متخصص يختلف عن الخشب المعتاد بقدرته على توليد قوة سحب أثناء تكونه. وعندما يظهر على جانب من الساق، يمكن لقوة الشد أن تؤثر في اتجاه انحنائها، كما لو أن هذا الجانب يجرّ الجذع نحوه.

في بداية التجربة، تكوّن خشب الشد على الجانب العلوي من السيقان الأفقية، وكان تأثيره يساعد على رفعها. لكن بعد إدخال الأشجار إلى الجهاز، توقّف تكوّن هذا الخشب في الجانب الذي كان نشطاً. وفي الوقت نفسه بدأ النوع نفسه من الخشب يظهر على الجهة المقابلة من الساق.

تساعد هذه الملاحظة على تفسير عودة الجذوع إلى الاستقامة. فالخشب الجديد في الجانب الآخر يولّد قوة شدّ في اتجاه يعاكس أثر الخشب الذي سبق تكوّنه، فتعمل القوتان على تعديل الانحناء. ومع استمرار نمو هذا النسيج، يتغير شكل الساق شيئاً فشيئاً. ولا يعني ذلك أن الجذع يتحرك كما تتحرك عضلة حيوانية؛ فالتغيير هنا مرتبط بتكوين الخشب ونموه، لا بانقباض سريع.

تكمن أهمية النتيجة في أن خشب الشدّ لا يظهر، بحسب ما أظهرته التجربة، في جانب واحد ثابت من الساق. بل يمكن أن يتكوّن على جهتين متقابلتين، بما يسمح بتغيير اتجاه القوة التي تؤثر في الجذع. وهذا يوسع فهم وظيفة النسيج: فهو ليس مجرد وسيلة لرفع ساق مائلة، بل جزء من عملية متغيرة يمكن أن تسهم في تعديل وضعها.

من رصد الانحناء إلى تعديل النمو

تكوّن الخشب عملية بيولوجية معقدة تبدأ بتغيرات على مستوى الخلايا. وتشير نتائج البحث إلى أن معرفة الشجرة بشكل ساقها ترتبط بتنظيم موضع ظهور خشب الشدّ؛ أي إن مكان تكوّن النسيج ليس تفصيلاً عشوائياً في هذه الحالة، بل يتبدل بما يتوافق مع الحاجة إلى تصحيح الوضع.

يمكن تصور الأمر كحلقة متتابعة: يتغير شكل الساق، ثم تؤثر المعلومات المرتبطة بوضعها في تنظيم النمو، وبعد ذلك يولّد الخشب المتكوّن قوة تعدل الانحناء. وعندما يتغير شكل الجذع بدوره، تتغير الظروف التي تعمل عليها الشجرة. هذه الصلة بين رصد الوضع والاستجابة التي يحققها نمو النسيج هي ما يجعل النتائج دليلاً على وجود نظام تنسيق بين الإحساس الداخلي والتغير المادي في النبات.

لكن من المهم ألا تُحمّل هذه الفكرة أكثر مما تسمح به الأدلة. فالدراسة تتناول قدرة النبات على تتبع وضعه والاستجابة له، ولا تثبت أن الأشجار تفكر أو تشعر بالمعنى البشري. المقصود أن هناك آليات حيوية تستقبل معلومات عن هيئة الساق وتؤثر في النمو، ويمكن أن تعمل من دون الاعتماد الكامل على الاتجاه الذي يأتي من الضوء أو الجاذبية.

تصحيح فكرة قديمة عن خشب الشدّ

كان التصور السابق يربط خشب الشدّ أساساً بالجانب العلوي من السيقان، حيث يساعد على سحبها إلى أعلى. وتظهر الحاجة إلى هذا التعديل بوضوح في أشجار تنمو على منحدرات جبلية؛ فقد ينحني الجذع قرب قاعدته حتى يحافظ الجزء الأعلى منه على اتجاه أقرب إلى العمودي. في مثل هذه الحالات، يُرى خشب الشدّ بوصفه أداة تساعد الشجرة على استعادة وضعها.

تضيف نتائج الحور جانباً آخر إلى هذه الصورة: إذ يمكن أن يتوقف تكوّن الخشب على جهة، ويبدأ في الجهة المضادة عندما تتغير استجابة الشجرة. لذلك لم تعد المسألة مقتصرة على شدّ الجذع إلى أعلى، بل أصبحت تتعلق بقدرة النسيج على إحداث قوى باتجاهات متعاكسة بحسب موضعه. وهذه المرونة تذكّر، من ناحية وظيفية فقط، بوجود قوى متقابلة تسهم في ضبط الوضع، من دون أن تجعل الخشب عضلة بالمعنى التشريحي.

ويرى برونو موليا، مدير الأبحاث في INRAE وأحد الأسماء المرتبطة بالدراسة، أن النتائج تكشف تفاعلاً مترابطاً بين استشعار وضع الشجرة والاستجابة التي تحدث في أنسجتها الخشبية. كما أشار إلى أن عدم التنسيق بين مراحل تكوّن خشب الشدّ قد يراكم توترات داخلية تؤثر في صفات الخشب. وبذلك لا يقتصر الاكتشاف على تفسير انحناء الجذوع، بل يلفت الانتباه إلى أهمية توقيت النمو ومكانه.

ما الذي قد تعنيه النتائج للغابات والزراعة؟

تواجه الأشجار في الطبيعة اضطرابات قد تغير وضعها، مثل العواصف القوية والانزلاقات الأرضية. وقد تكون القدرة على تعديل هيئة الساق ذات قيمة في مثل هذه الظروف، لأن الشجرة لا تنمو في بيئة ثابتة دائماً. ومع ازدياد الاهتمام بتأثير الظروف المناخية القاسية في الغابات، يصبح فهم آليات استعادة الوضع جزءاً من دراسة قدرة الأشجار على الاستمرار والتكيف، وإن كانت هذه الدراسة وحدها لا تحدد مقدار ما ستقدمه الآلية في مواجهة كل اضطراب.

وقد تكون للمعرفة الجديدة تطبيقات في اختيار الأشجار المزروعة وإدارتها. فإذا تمكن العلماء من تمييز النباتات التي تنسق نموها وتصحيح وضعها بفاعلية، فقد يساعد ذلك على اختيار أنواع أو أصناف تميل إلى إنتاج جذوع أكثر استقامة. وقد تكون هذه الصفة مهمة في إنتاج الأخشاب، إذ إن التشوهات والتوترات الداخلية الناتجة من نمو غير منسق يمكن أن تؤثر في جودة المادة الخشبية.

ويمتد الاهتمام إلى المحاصيل الزراعية، ولا سيما الحبوب التي قد تسقط أو تنحني قبل الحصاد. وتُعرف هذه المشكلة باسم الرقاد، وقد تؤدي إلى خسائر في المحصول عندما تنهار النباتات قرب نهاية موسم النمو. ويتيح فهم طريقة ضبط النبات لوضع ساقه أساساً علمياً لدراسة ما إذا كان بالإمكان الاستفادة من اختلافات النمو بين الأصناف، لكن تحويل ذلك إلى محصول أقل عرضة للرقاد يتطلب مزيداً من البحث، ولا تقدّم الدراسة وصفة زراعية جاهزة.

أما في الغابات، فإن جودة الخشب واستقامة الجذع ليستا صفتين منفصلتين تماماً عن طريقة تكوّن الأنسجة. فالتوازن بين نمو خشب الشدّ على جوانب الساق قد يؤثر في مقدار القوة الداخلية التي تنشأ أثناء تعديل الشكل. لذلك قد يقود فهم هذا التوازن إلى أساليب أدق في دراسة الأشجار المستخدمة للأخشاب، وإلى أسئلة جديدة عن كيفية تحقيق نمو مستقيم من دون توليد إجهاد داخلي مفرط.

اكتشاف احتاج إلى تعاون تخصصات مختلفة

لم يأت تفسير هذه الظاهرة من ملاحظة الأشجار وحدها، بل تطلب الجمع بين تصميم تجربة يعزل الإشارات الخارجية، ومتابعة تغير هيئة السيقان، وفحص البنية التي تكونت داخلها. وتبرز هنا قيمة التعاون بين مجالات علمية متعددة؛ فالسؤال يجمع بين فهم نمو النبات، وميكانيكا الأنسجة، وطرق قياس الاستجابة.

وشدد فيليكس هارتمان، المهندس البحثي في INRAE، على أن الوصول إلى اكتشاف من هذا النوع يحتاج إلى أفكار تجريبية مبتكرة وإلى وقت ومثابرة، فضلاً عن جمع خبرات مختلفة. وتوضح هذه التجربة كيف يمكن لأداة غير مألوفة، مثل منصة تدور داخل حيز مضاء بالتساوي، أن تساعد على فصل جوانب متداخلة من سلوك النبات، ثم ربط ما يُلاحظ في الجذع بما يحدث في أنسجته.

والنتيجة الأوسع هي أن نمو النبات ليس استجابة بسيطة لإشارة واحدة. فالضوء والجاذبية مهمان، لكنهما ليسا كل القصة؛ إذ يمكن لشكل الساق نفسه أن يدخل في تنظيم ما ينمو وأين ينمو. وفي حالة الحور، ظهر أن تبدل موضع خشب الشدّ يرافق تغير هيئة الجذع، مقدماً تفسيراً ملموساً لكيفية انتقال المعلومات المرتبطة بالوضع إلى استجابة بنيوية.

الخاتمة

تكشف دراسة أشجار الحور عن قدرة لافتة على تعديل شكل الجذع عبر نمو خشب شدّ في مواضع مختلفة. ففي تجربة خُففت فيها إشارات الضوء والجاذبية، انحنت السيقان الأفقية إلى أعلى أولاً، ثم أخذت تستقيم خلال الأسابيع التالية بعد أن توقف نمو خشب الشدّ على جانب وبدأ على الجانب المقابل. وتشير هذه النتائج إلى أن النبات يستخدم معلومات عن هيئة جسمه لتنظيم نموه، لا أنه يعتمد على الظروف الخارجية وحدها.

ويمنح هذا الفهم الباحثين إطاراً جديداً لدراسة استقامة الأشجار وتوترات الخشب، كما يطرح احتمالات مستقبلية لتحسين اختيار الأشجار والمحاصيل التي تحتاج إلى سيقان أكثر ثباتاً. إلا أن الطريق من اكتشاف الآلية إلى تطبيقها الزراعي أو الغابي ما زال يحتاج إلى عمل إضافي. أما الرسالة الأساسية فهي أن الشجرة، رغم بطء حركتها، تعدّل بنيتها باستمرار، وأن خشبها جزء نشط من تلك الاستجابة.