سرطان القولون والمستقيم من أكثر أنواع السرطان شيوعًا، وغالبًا ما يتم تشخيصه في مراحل متقدمة مما يحد من خيارات العلاج. هذا الأمر يبرز الحاجة إلى أدوات تشخيصية أبسط وأقل توغلاً، خاصةً مع زيادة غير مبررة في الحالات بين الشباب. لقد عرف العلماء منذ فترة طويلة أن ميكروبيوم الأمعاء يلعب دورًا في تطور سرطان القولون والمستقيم، لكن تحويل هذه المعرفة إلى ممارسة سريرية كان تحديًا كبيرًا.
دور الميكروبيوم في سرطان القولون والمستقيم
يلعب ميكروبيوم الأمعاء دورًا حاسمًا في العديد من العمليات البيولوجية في الجسم، بما في ذلك الهضم والمناعة. لكن دوره في تطور السرطان بدأ يثير اهتمام الباحثين في السنوات الأخيرة. تتفاوت تأثيرات الأنواع البكتيرية المختلفة بشكل كبير، حيث يمكن لبعض السلالات أن تسهم في تطور المرض بينما لا يكون للآخرين أي تأثير يُذكر.
أوضح البروفيسور ميركو ترايكوفسكي من جامعة جنيف أن التركيز على المستوى الوسيط للميكروبيوم، المعروف باسم الأنواع الفرعية، قد يكون الحل. هذا المستوى يمكن أن يلتقط الفروقات في كيفية عمل البكتيريا وتأثيرها على الأمراض، بما في ذلك السرطان، بينما يبقى عامًا بما يكفي لاكتشاف هذه التغييرات بين مجموعات مختلفة من الأشخاص أو السكان أو البلدان.
التحليل باستخدام التعلم الآلي
بدأ الباحثون بتحليل كميات ضخمة من البيانات باستخدام تقنيات التعلم الآلي. قاد ماتيجا تريكوفيتش، طالب الدكتوراه، تطوير أول كتالوج شامل للأنواع الفرعية لميكروبيوم الأمعاء البشرية. هذا الكتالوج يمثل خطوة كبيرة نحو فهم أعمق للميكروبيوم واستخدامه في التشخيص.
باستخدام هذا الكتالوج، تمكن العلماء من تطوير نموذج يمكنه التنبؤ بوجود سرطان القولون والمستقيم بناءً فقط على البكتيريا الموجودة في عينات البراز. كانت النتائج مذهلة، حيث تمكنت هذه الطريقة من اكتشاف 90% من حالات السرطان، وهي نسبة تقترب من معدل الكشف بنسبة 94% بواسطة تنظير القولون.
التطبيقات المستقبلية لهذا الاكتشاف
تتجاوز التطبيقات الممكنة لهذا الاكتشاف حدود سرطان القولون والمستقيم. من خلال دراسة الفروق بين الأنواع البكتيرية الفرعية، يمكن للباحثين تحديد الآليات التي يؤثر بها ميكروبيوم الأمعاء على صحة الإنسان. يمكن استخدام هذه الطريقة قريبًا لتطوير أدوات تشخيصية غير جراحية لمجموعة واسعة من الأمراض، كل ذلك بناءً على تحليل واحد للميكروبيوم.
يجري حاليًا إعداد تجربة سريرية بالتعاون مع مستشفيات جامعة جنيف لتحديد المراحل السرطانية والآفات التي يمكن اكتشافها بدقة أكبر. هذه الأداة يمكن أن تصبح جزءًا من الفحوصات الروتينية للكشف المبكر عن سرطان القولون والمستقيم.
الخاتمة
يشير التقدم في فهم دور ميكروبيوم الأمعاء في تطور سرطان القولون والمستقيم إلى إمكانية ظهور أدوات تشخيصية جديدة وغير جراحية. هذه التطورات لا تسهم فقط في تحسين الكشف المبكر عن السرطان، بل تفتح أبوابًا جديدة لفهم كيفية تأثير ميكروبيوم الأمعاء على الصحة بشكل عام. تبقى التحديات قائمة، لكن الأمل كبير في أن هذه الأبحاث ستؤدي إلى تحسينات كبيرة في الممارسات السريرية والرعاية الصحية.