تخطى إلى المحتوى

خريطة الوفيات الأميركية تتسع: لماذا يعيش سكان الولايات الحمراء عبئاً صحياً أثقل؟

ببساطة

تكشف مقارنة بين الولايات الأميركية أن الوفيات أعلى عموماً في الولايات التي صوّتت لترامب، وأن الفجوة تشمل أمراض القلب والسرطان، لا جائحة كورونا وحدها. لكن وفيات الجرعات الزائدة من المخدرات اتخذت مساراً مختلفاً، واقتربت معدلاتها بين المجموعتين. هذه فروق على مستوى الولايات، وليست حكماً على صحة كل فرد أو دليلاً على أن التصويت وحده يسبب المرض.

في الولايات المتحدة، لا تتوزع فرص النجاة من المرض بالتساوي على الخريطة. فالمقارنة بين الولايات بحسب نتيجة التصويت الرئاسي تكشف تفاوتاً متزايداً في معدلات الوفاة، وتطرح سؤالاً يتجاوز الانتماء الحزبي: ما الظروف الصحية والاجتماعية التي تجعل بعض المجتمعات أكثر عرضة للموت المبكر؟ أجرى المقارنة براندون يان ومادي فيلدمير ورينيه واي. هسيا، من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، مستندين إلى بيانات وفيات متاحة للجمهور.

فجوة لم تظهر فجأة

تقدم الأرقام صورة لظاهرة أخذت تتسع على مدى سنوات، لا لصدمة عابرة مرتبطة بانتخابات واحدة. ففي عام 2001، كان معدل الوفيات المعدل بحسب العمر في المقاطعات التي نال فيها المرشح الجمهوري أكبر حصة من الأصوات أعلى بنحو 2% فقط من نظيره في المقاطعات التي مالت إلى المرشح الديمقراطي. وبحلول عام 2019، بلغت الفجوة النسبية 16.1%.

لم يكن اتساع الفرق نتيجة ارتفاع الوفيات في مجموعة واحدة فحسب، بل ارتبط أيضاً بتراجعها بوتيرة أبطأ في المقاطعات ذات الغلبة الجمهورية. ففي الفترة بين 2001 و2019 انخفض المعدل هناك بنسبة 11.1%، مقابل انخفاض بلغ 21.9% في المقاطعات ذات الغلبة الديمقراطية. ويشير هذا التباعد إلى أن مكاسب البقاء على قيد الحياة لم تصل إلى المناطق المختلفة بالسرعة نفسها.

وفي تحليل أحدث، قارن الفريق معدلات الوفاة لكل 100 ألف نسمة بعد تعديلها لتراعي اختلاف التركيب العمري للسكان، بين الولايات التي صوّتت أغلبيتها لترامب في انتخابات 2024 وتلك التي صوّتت أغلبيتها لكامالا هاريس. وشمل الرصد الفترة من 2016 إلى 2024. هذا التصنيف يصف نتيجة التصويت على مستوى الولاية؛ ولا يعني أن جميع سكان الولاية يتبنون الموقف السياسي نفسه، ولا أن انتماء الفرد الحزبي يحدد مصيره الصحي.

معدل أعلى رغم مرور ذروة الجائحة

عندما فاز ترامب بالرئاسة للمرة الأولى عام 2016، بلغ معدل الوفاة من جميع الأسباب 776 وفاة لكل 100 ألف في الولايات التي صوّتت له في 2024، مقابل 664 وفاة في الولايات التي صوّتت لهاريس. وبحساب الفرق، كان المعدل في المجموعة الأولى أعلى بنسبة 17%.

وفي 2024، ظل الفارق واسعاً: 774 وفاة لكل 100 ألف في ولايات ترامب مقابل 649 في ولايات هاريس، أي إن المعدل في المجموعة الأولى ارتفع نسبياً إلى 19.2% فوق المجموعة الثانية. ومن اللافت أن رقم المجموعة الأولى في 2024 قريب من مستواه في 2016، بينما انخفض الرقم في المجموعة الثانية؛ ولهذا اتسعت المسافة بين الجانبين حتى مع عدم حدوث قفزة مماثلة في الرقم الإجمالي للأولى.

كانت الفجوة أشد اتساعاً في 2021، في جزء كبير منه بسبب اختلاف مسار وفيات كوفيد-19. ففي الولايات التي اتجه تصويتها إلى هاريس، بلغت وفيات المرض ذروتها عام 2020 عند 86 وفاة لكل 100 ألف. أما في الولايات التي اتجهت إلى ترامب، فواصلت الوفيات ارتفاعها حتى 2021، حين وصلت إلى 122 لكل 100 ألف. وهكذا أسهمت الجائحة في تعميق الفروق، لكنها لا تفسر وحدها استمرارها بعد انحسار موجتها الأشد.

أمراض مزمنة تكشف استمرار التفاوت

تساعد مقارنة أمراض القلب والسرطان على اختبار ما إذا كان الفرق العام مجرد أثر متأخر لكوفيد-19. والنتيجة أن الفجوة تظهر أيضاً في أمراض رئيسية لا تقتصر على الجائحة. بين 2016 و2024، تراجعت وفيات أمراض القلب بنسبة 9.1% في ولايات هاريس، بينما لم يتجاوز الانخفاض 2.9% في ولايات ترامب.

وسجلت وفيات السرطان اتجاهاً مشابهاً، وإن اختلفت النسب: انخفضت 12.9% في المجموعة الأولى و9.1% في الثانية. لا تعني هذه الأرقام أن سكان ولاية بعينها محكوم عليهم بنتيجة صحية محددة، لكنها تبين أن التقدم في تقليل الوفيات لم يكن متساوياً بين المجموعتين. كما أن استمرار الفرق في أسباب وفاة مزمنة يجعل تفسيره بحاجة إلى النظر في الوقاية والعلاج وظروف المعيشة، لا الاكتفاء بالحديث عن سنوات الجائحة.

وتتداخل عوامل كثيرة في فرص تجنب أمراض القلب والسرطان أو اكتشافها وعلاجها. فالوصول المنتظم إلى الرعاية، وإمكان إجراء الفحوص الوقائية، والقدرة على تحمل كلفة العلاج، كلها قد تؤثر في توقيت التشخيص والنتيجة. وتؤثر كذلك عوامل اجتماعية مثل التعليم والدخل وإتاحة الغذاء الصحي والاتصال بالإنترنت. غير أن المقارنة المنشورة ترصد الفروق ولا تفصل مقدار مساهمة كل عامل منها، لذلك ينبغي التعامل معها بوصفها خريطة للمشكلة لا برهاناً على سبب منفرد.

المخدرات: اتجاه مختلف على الخريطة

لا تتبع وفيات الجرعات الزائدة النمط نفسه الذي يظهر في الوفيات الإجمالية أو في أمراض القلب والسرطان. ففي 2016، كانت وفيات الجرعات الزائدة أعلى بنسبة 18%، أو بما يعادل 3.4 وفاة لكل 100 ألف، في الولايات التي صوّتت لاحقاً لترامب مقارنة بولايات هاريس. ثم تبدل موضع المعدل الأعلى خلال السنوات التالية.

بلغت وفيات الجرعات الزائدة ذروتها في ولايات ترامب عام 2021 عند 35 لكل 100 ألف، بينما جاءت الذروة في ولايات هاريس بعد ذلك بعام، في 2022، وبلغت 32.5 لكل 100 ألف. وابتداء من 2023، صار المعدل المقدّر في مجموعة ترامب أدنى من نظيره في مجموعة هاريس. وفي 2024، كان الفرق صغيراً جداً، مع معدل أعلى بنحو 2%، أو 0.4 وفاة لكل 100 ألف، في ولايات هاريس.

هذا التحول يذكّر بأن أزمة المخدرات لا تبقى محصورة في منطقة أو نوع واحد من المجتمعات. فقد انتشرت واستمرت في مناطق ساحلية وحضرية إلى جانب المناطق الريفية والصناعية التي ارتبطت بها في مراحل سابقة. كما أن التباين في النقاش حول الحد من أضرار التعاطي وإنفاذ القانون ينعكس على خيارات السياسة العامة، لكن الأرقام وحدها لا تحدد أي سياسة بعينها وراء تغير المعدلات.

التغطية الصحية والظروف المحيطة بها

من المسارات التي تستحق الفحص اختلاف السياسات التي تحدد الوصول إلى التأمين والعلاج. فقد ارتبط توسيع برنامج ميديكيد، بموجب قانون الرعاية الصحية الميسرة، بانخفاض الوفيات. ومع ذلك، لم تكن 10 ولايات قد اعتمدت التوسيع، وكانت الولايات العشر كلها قد صوّتت لترامب في انتخابات 2024. هذا التزامن لا يثبت أن غياب التوسيع يفسر وحده فرق الوفيات، لكنه يجعل التغطية التأمينية جزءاً مهماً من البحث عن أسباب قابلة للتغيير.

كذلك كانت خسائر التغطية خلال إعادة التحقق من أهلية المستفيدين من ميديكيد أكبر في الولايات التي لم توسع البرنامج. وقد تؤثر المتطلبات المتعلقة بالعمل، أو إجراءات تجديد الأهلية، في استمرارية التأمين إذا أدت إلى انقطاع التغطية عن أشخاص يحتاجون إلى رعاية منتظمة. ويبرز الأمر خصوصاً عند متابعة أمراض مزمنة، حيث قد يكون التأخر في المراجعة أو العلاج ذا أثر يتراكم بمرور الوقت.

وتواجه المجتمعات الريفية تحديات أخرى، من بينها صعوبة الوصول إلى الخدمات وإغلاق مستشفيات بوتيرة غير متناسبة. وقد يعني ذلك مسافات أطول لبلوغ الرعاية، أو خيارات أقل عند الحاجة إلى علاج عاجل أو متابعة متخصصة. لكن الريف ليس متجانساً، كما أن الولايات لا تتكون من مجتمعات متطابقة؛ لذلك لا يصح اختزالها إلى لون سياسي واحد أو افتراض أن كل منطقة تواجه العوائق نفسها.

الثقة والتعليم جزء من البيئة الصحية

تتأثر الصحة أيضاً بما يتعلمه الناس وبالخيارات المتاحة لهم في حياتهم اليومية. يرتبط التعليم بعوامل قد تغير المخاطر الصحية، من التدخين والبدانة إلى أخطار القلب ومعدلات إجراء الفحوص الوقائية. كما يمكن للفرص الاقتصادية، والحصول على طعام صحي واتصال بالإنترنت، والمعلومات التي تصل إلى الناس عبر وسائل الإعلام والثقافة الشعبية، أن تؤثر في السلوك الصحي مع مرور الوقت.

وتثير الفروق التي ظهرت خلال جائحة كوفيد-19 مسألة أخرى: هل تتراجع الثقة في مؤسسات الصحة العامة والرعاية الصحية على نحو متزايد تبعاً للاستقطاب السياسي؟ اختلاف معدلات التطعيم بين الولايات التي مالت إلى ترامب وتلك التي مالت إلى هاريس يقدم علامة واضحة على اتساع التباين في السلوك الوقائي. لكن تفسير ذلك يتطلب فهم مصادر الثقة والمعلومات وتجارب الناس مع المؤسسات، لا الاكتفاء بإلقاء اللوم على مجموعة سياسية.

وتؤكد هذه النقطة ضرورة التمييز بين الارتباط والسببية. فالولايات التي تتشابه في طريقة التصويت قد تتشابه أيضاً في جوانب أخرى، مثل توزيع السكان أو توافر الخدمات أو الظروف الاقتصادية. لذلك لا تقول المقارنة إن التصويت ينتج الوفاة، ولا تثبت أن سياسة واحدة تفسر الفوارق. إنها تكشف نمطاً يستدعي تحليلاً أعمق، ومقاربات تدرس المجتمعات وأسباب الوفاة والموارد المتاحة فيها على نحو أكثر تفصيلاً.

الخاتمة

تظهر بيانات الفترة من 2016 إلى 2024 أن معدل الوفيات من جميع الأسباب بقي أعلى في الولايات التي صوّتت لترامب مقارنة بولايات هاريس، وأن الفرق اتسع من 17% عام 2016 إلى 19.2% عام 2024، بعد أن بلغ مستوى أكبر في 2021 بفعل اختلاف وفيات كوفيد-19. كما انخفضت وفيات القلب والسرطان بوتيرة أسرع في المجموعة التي صوّتت لهاريس، في حين تقاربت وفيات الجرعات الزائدة ثم أصبح معدلها أعلى قليلاً في المجموعة نفسها بحلول 2024.

أعدّ المقارنة براندون يان، الطبيب والباحث في الصحة العامة المرتبط بمعهد فيليب آر. لي لدراسات السياسات الصحية في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو، ومادي فيلدمير، طالبة الطب في كلية الطب بالجامعة، ورينيه واي. هسيا، الأستاذة ونائبة رئيس قسم أبحاث الخدمات الصحية في قسم طب الطوارئ بالجامعة. وتدعو النتائج إلى التعامل مع الأرقام باعتبارها إشارة إلى تفاوت قابل للمعالجة، لا حكماً ثابتاً على الولايات الحمراء أو الزرقاء. توسيع الوصول إلى الرعاية الميسورة، وتقوية الخدمات في المناطق الريفية والصحة السلوكية، وتقليص فجوات التعليم، وبناء الثقة في الصحة العامة، كلها مسارات قد تساعد على خفض الوفيات التي يمكن تجنبها، أياً كانت خريطة التصويت.