ببساطة
تتجه مهمة يابانية إلى قمري المريخ الصغيرين، فوبوس وديموس، لمعرفة كيف نشآ وما الذي تكوّنهما منهما. ستفحص المركبة فوبوس، وتنزل عربة صغيرة على سطحه، ثم تجمع عينة تعود إلى الأرض في عام 2031. وقد تساعد هذه الخطوات في حسم ما إذا كان القمران كويكبين أُسرا بفعل جاذبية المريخ أم بقايا حادثة كونية عنيفة.
أُطلقت مركبة «استكشاف أقمار المريخ» اليابانية في 19 أكتوبر، حاملةً معها خطة غير مألوفة: الاقتراب من فوبوس، إنزال عربة على سطحه، جمع مقدار صغير من تربته، ثم نقل تلك العينة إلى الأرض. لا تقتصر أهمية الرحلة على زيارة عالمين لم تطأهما مركبة جوالة من قبل؛ فالسؤال الذي تقصده المهمة أعمق من رسم خرائطهما: كيف تكوّن هذان القمران، ولماذا يختلف مسارهما حول المريخ على الرغم من صغر حجميهما؟
عالمَان صغيران وأسئلة كبيرة
يدور حول المريخ قمران غير منتظمَي الشكل، اكتُشفا سنة 1877، لكن مرور مركبات فضائية قربهما وتصويرهما على مدى عقود لم يبدد الغموض المحيط بأصلهما. فوبوس، الأكبر، جسم متكتل يبلغ طوله نحو 26 كيلومترًا، أما ديموس فيبلغ طوله قرابة 16 كيلومترًا. وعلى الرغم من أن حجميهما متواضعان مقارنة بالكواكب، فإنهما يمثلان لغزًا مهمًا لفهم تاريخ المريخ والأجسام التي تحيط به.
تتولى وكالة الفضاء اليابانية جاكسا تنفيذ المهمة، المعروفة اختصارًا باسم MMX. ومن المقرر أن تستغرق الرحلة إلى المريخ نحو سنة. وبعد الوصول، ستدخل المركبة في مدار حول الكوكب يتيح لها الاقتراب من فوبوس ومراقبته. وستقيس شكل سطحه وترسم خرائطه بحثًا عن مواضع مناسبة للهبوط، بينما ترصد ديموس بين حين وآخر من مسافة أبعد.
اختيار موقع آمن ليس تفصيلًا ثانويًا. فسطح فوبوس ليس سهلًا كأرض مستوية، كما أن جاذبيته ضعيفة جدًا، ولذلك يتطلب الهبوط والتعامل مع التربة تخطيطًا دقيقًا. وبعد أن يختار المهندسون على الأرض الموقع الملائم، ستُطلق المركبة عربة صغيرة لاستكشاف السطح، ثم تهبط المركبة الرئيسية نفسها لجمع عينة من المادة السطحية. والخطة أن تحمل العينة إلى الأرض في عام 2031، لتُدرس بأدوات متقدمة لا يمكن إرسالها كلها إلى الفضاء.
عربة صغيرة في مكان غير مألوف
تحمل المهمة عربة جوالة اسمها «إيديفيكس»، وهو اسم مستوحى من كلب صغير يظهر في قصص أستريكس المصورة الفرنسية. صُممت العربة بالتعاون بين المركز الوطني الفرنسي للدراسات الفضائية CNES والمركز الألماني للطيران والفضاء DLR. وتبلغ كتلتها على الأرض نحو 24 كيلوغرامًا؛ أي إنها تقارب حجم صندوق أحذية كبير، لكنها تمتد لأكثر قليلًا من متر عندما تُفتح ألواحها الشمسية.
إذا نجح إنزالها، فستكون إيديفيكس أول عربة ذات عجلات تزور جسمًا سماويًا بهذا الصغر. وتبدأ العملية حين تخفّض المركبة سرعتها وتبقى على ارتفاع يتراوح بين 40 و100 متر فوق فوبوس، ثم تطلق العربة. بعد ذلك تهبط بفعل جاذبية القمر الضعيفة، التي لا تبلغ سوى نحو واحد من ألف من جاذبية الأرض. وقد يستغرق نزولها عدة دقائق، حتى من هذا الارتفاع المنخفض.
من المتوقع أن تكون ملامسة السطح بطيئة، بسرعة تقل عن متر واحد في الثانية، أي في نطاق سرعة مشي الإنسان تقريبًا. لكن البطء لا يجعل العملية مضمونة؛ إذ لا يمكن التحكم تمامًا في الطريقة التي ستستقر بها العربة بعد الوصول. لذلك صُمم نظام الحركة كي يعيدها إلى وضع قائم مهما كان اتجاه سقوطها، بحيث تستقر عجلاتها على السطح وتتمكن من الانطلاق.
توضح جاذبية فوبوس مدى غرابة البيئة التي ستعمل فيها العربة. فوزنها هناك لن يتجاوز نحو 15 غرامًا، أي قرابة نصف أونصة، بينما يزن عصفور دوري على الأرض ضعفي ذلك تقريبًا. ولن تكون مهمتها مجرد التقاط صور جميلة؛ إذ ستقيس حرارة السطح وتفحص معادنه، كما ستصور آثار عجلاتها. ويمكن أن تكشف هذه الآثار مدى تماسك حبيبات التربة وحجمها، وهي معلومات تساعد على فهم طبيعة المادة التي تغطي القمر.
تربة مسحوقة قد تحفظ آثار الاصطدامات
المادة التي تسعى المركبة إلى جمعها هي الثرى، أي الغطاء المفتت الذي يتكون من صخور وحبيبات تكسرت بفعل اصطدام النيازك، إلى جانب تأثيرات التغير الحراري. وتبدو هذه الطبقة السطحية للوهلة الأولى مجرد غبار، لكنها تحمل سجلًا للتفاعلات التي تعرض لها فوبوس. فمعرفة حجم الحبيبات وتماسكها، ثم تحليل عينة منها على الأرض، يمكن أن يوضحا كيف تغير السطح وما إذا كان القمر جسمًا صلبًا متماسكًا أم تجمعًا من قطع صخرية.
فوبوس أقل كثافة مما يُتوقع من كتلة صخرية صلبة، ولهذا يرجح أنه يتكون جزئيًا على الأقل من كومة حطام: قطع كثيرة متقاربة تمسكها جاذبيتها المتبادلة. وتوجد أجسام كثيرة من الكويكبات الصغيرة بهذه الهيئة، لكن تفاصيل نشأتها لا تزال موضع بحث. ومن التفسيرات المحتملة أن اصطدامًا قويًا حطم جسمًا صخريًا من دون أن يبعثر شظاياه بالكامل؛ ثم عادت الأجزاء إلى التجمع بفعل الجاذبية.
إذا كان فوبوس قد تشكل بهذه الطريقة، فإن قياس خواص سطحه وبنيته سيتيح للعلماء اختبار أفكارهم عن تطور الأجسام الصغيرة بعد الاصطدامات. فالمركبة لن تكتفي بالسؤال عن المادة الموجودة على السطح، بل ستسهم بياناتها في تقييم ما إذا كان القمر قد مر بمرحلة تفكك جزئي وإعادة تجمّع، وكيف ترك ذلك أثره في شكله وكثافته.
هل أسر المريخ كويكبين؟
يقع المريخ قرب الحافة الداخلية لحزام الكويكبات الرئيسي، ولذلك طُرح تفسير يقول إن فوبوس وديموس كويكبان اقتربا من الكوكب فأمسكتهما جاذبيته. وتدعم هذا الاحتمال ملاحظة أن تركيبهما يشبه تركيب أنواع شائعة من الكويكبات. لكن التشابه في المواد لا يحل المشكلة الأساسية: ليس من السهل أن يتحول جسم عابر إلى قمر يدور حول كوكب.
كي يحتفظ المريخ بكويكب يمر بالقرب منه، لا بد أن يفقد الجسم جزءًا كبيرًا من سرعته. ومن السيناريوهات المتخيلة أن يمر الكويكب في مسار بالغ الملاءمة عبر الغلاف الجوي العلوي للمريخ، فيتباطأ بالقدر المناسب من دون أن يسقط على الكوكب أو يواصل طريقه مبتعدًا. مثل هذا الاصطفاف الدقيق ليس مستحيلًا، لكنه يجعل تفسير الأسر المباشر صعبًا.
قد يصبح الأسر أسهل إذا كان الجسم القادم زوجًا من الكويكبات يدور أحدهما حول الآخر. ففي هذه الحالة يمكن أن يقع أحدهما في قبضة المريخ، فيما يبتعد رفيقه حاملًا جزءًا من الطاقة الزائدة. لكن وجود قمرين لا يعني بالضرورة أنهما أُسرا معًا؛ فمدارا فوبوس وديموس متباينان بوضوح. يدور فوبوس على ارتفاع يقارب 6000 كيلومتر فوق سطح المريخ، بينما يقع ديموس على مسافة تزيد قليلًا على 20 ألف كيلومتر من السطح. لذلك يرجح هذا السيناريو، إن صح، الحاجة إلى حادثتين منفصلتين.
وتظهر مشكلة أخرى في شكل المدارين. فكلا القمرين يتحرك في مدار شبه دائري فوق خط استواء المريخ، بينما يُتوقع أن يسلك كويكب أُسر حديثًا مسارًا أكثر استطالة وميلًا. يمكن نظريًا أن تسهم مقاومة الغلاف الجوي وقوى المد والجزر التي يؤثر بها المريخ في جعل المدار أكثر استدارة بمرور الزمن. غير أن هذه العملية بطيئة جدًا، وقد تستغرق مليارات السنين؛ لذا يبقى السؤال قائمًا عما إذا كان ديموس قد امتلك وقتًا كافيًا ليستقر في مساره الحالي بهذه الطريقة.
أثر اصطدام قديم، أو قمر انفجر
هناك احتمال آخر يربط القمرين بحدث وقع على المريخ نفسه. فقد يقذف اصطدام كويكب ضخم مواد صخرية إلى الفضاء، ثم تتجمع تلك المواد لتشكّل أقمارًا. لهذا التصور مثال قريب من الأرض: فالقمر الذي يرافق كوكبنا يُعتقد أنه نشأ بعد اصطدام جسم بحجم المريخ بالأرض الفتية، ما قذف كميات هائلة من الصخور انتهى بها الأمر إلى التجمع في مدار حولها.
توجد مؤشرات على أن تركيب قمرَي المريخ يحمل بعض أوجه الشبه مع تركيب الكوكب الأحمر، وهو ما يمنح فرضية الأصل المشترك قدرًا من الجاذبية. لكن إذا نتجا من الاصطدام ذاته، فلماذا يسلكان مدارين مختلفين إلى هذا الحد؟ ربما تكوّنت أجسام عدة حول المريخ في ذلك الحدث، ولم يبق منها سوى فوبوس وديموس. وقد تكون هناك إجابات أخرى لم تتضح بعد، خصوصًا أن صور السطح وحدها لا تكفي دائمًا لكشف تاريخ التكوين.
وتقترح فكرة أحدث مسارًا مختلفًا: ربما نشأ قمر واحد أولًا، إما بالتزامن مع تشكل المريخ أو بسبب اصطدام لاحق، ثم تعرض ذلك القمر نفسه لاصطدام حطم أجزاء منه. وفي هذا التصور يمكن أن تكون البقايا التي نجت هي القمرين الحاليين. وقد يساعد هذا التفسير على فهم وجودهما في مدارات دائرية فوق خط الاستواء، وكذلك اختلاف ارتفاع كل منهما عن المريخ. لكن بقاء الفكرة ضمن نطاق الفرضيات يجعل العينات والقياسات المباشرة ضرورية لاختبارها.
رحلة تعود من إخفاقات سابقة
لم تكن محاولة الوصول إلى فوبوس جديدة تمامًا. فقد أخفقت مهمتا «فوبوس 1» و«فوبوس 2» السوفيتيتان في الماضي، كما لم تنجح المهمة الروسية الصينية «فوبوس-غرونت» في بلوغ هدفها. وتعرضت بعثات أخرى متجهة إلى المريخ للإخفاق أيضًا، حتى ظهرت في أوساط الفضاء مزحة عن وحش خيالي يلتهم المركبات قبل وصولها. غير أن هذه الدعابة لا تغير حقيقة أن إرسال مركبة إلى المريخ أو إلى أحد قمريه يتطلب سلسلة طويلة من العمليات الدقيقة.
وتزيد خصوصية الهدف من التحدي: فوبوس صغير، وجاذبيته واهنة، والاقتراب من سطحه ثم الهبوط عليه وجمع عينة وإقلاع المركبة مجددًا كلها مراحل مترابطة. نجاح كل مرحلة يعتمد على ما قبلها، من اختيار موقع النزول إلى التأكد من أن العربة استقرت بطريقة تسمح لها بالعمل. لهذا تجمع MMX بين المسح المداري، والاستكشاف بواسطة عربة سطحية، وإعادة مادة إلى الأرض، بدل الاكتفاء بمرور سريع أو صور من بعيد.
الخاتمة
تسعى مهمة MMX إلى تحويل فوبوس وديموس من نقطتين غامضتين قرب المريخ إلى عالمين يمكن اختبار تاريخ نشأتهما بالأدلة. ستقترب المركبة من فوبوس، وترسم خرائطه، وتنشر عربة إيديفيكس التي تبلغ كتلتها 24 كيلوغرامًا، ثم تجمع عينة تصل إلى الأرض في 2031، فيما تتيح لها الرحلة أيضًا رصد ديموس. وتكتسب القياسات أهميتها من التنافس بين تفسيرات مختلفة: أسر كويكبات، أو تشكل من مواد قذفها اصطدام بالمريخ، أو تحطم قمر أقدم. قد لا تحسم عينة صغيرة كل الأسئلة، لكنها ستمنح العلماء مادة مباشرة للمقارنة والتحليل، وتفتح بابًا لفهم أوسع لتاريخ القمرين والأجسام الصخرية الصغيرة.