شهد العالم القديم تغييرات جذرية في تركيب الأكسجين في المحيطات، مما أدى إلى ظهور وتنوع الأسماك الفكية، أسلاف معظم الفقاريات التي نعرفها اليوم. تقدم دراسة حديثة نظرة عميقة على كيفية تأثير الأكسجين على أنماط التطور بين الأنواع البحرية القديمة.
الأكسجين وتطور الفقاريات الفكية
يتفق العلماء على أن الأكسجين كان دائمًا شرطًا ضروريًا لتطور الحيوانات، لكن مدى كونه شرطًا كافيًا لتفسير اتجاهات التنوع الحيواني كان دائمًا موضوع بحث ونقاش. وفقًا للبروفيسور مايكل كيب من جامعة ديوك، فإن الدراسة الجديدة تقدم دليلًا قويًا على أن الأكسجين قد حدد توقيت تطور الحيوانات المبكرة، لا سيما ظهور الفقاريات الفكية في البيئات البحرية العميقة.
لفترة من الزمن، كان الباحثون يعتقدون أن أكسجة المحيطات العميقة قد حدثت مرة واحدة فقط في بداية العصر الباليوزوي، قبل حوالي 540 مليون سنة. لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الأكسجة حدثت على مراحل، حيث أصبحت المياه القريبة من الشاطئ قابلة للحياة للكائنات التي تتنفس، تلتها البيئات الأعمق.
البحث في الصخور الرسوبية
ركز كيب وزملاؤه على توقيت هذه المراحل من خلال دراسة الصخور الرسوبية التي تشكلت تحت مياه البحر العميقة. قاموا بتحليل هذه الصخور للعثور على عنصر السيلينيوم، الذي يمكن استخدامه لتحديد ما إذا كان الأكسجين موجودًا بمستويات تدعم الحياة في البحار القديمة.
في البيئة البحرية، يوجد السيلينيوم في أشكال مختلفة تسمى النظائر التي تختلف في الوزن. عندما تكون مستويات الأكسجين كافية لدعم الحياة الحيوانية، فإن نسبة النظائر الثقيلة إلى الخفيفة من السيلينيوم تتغير بشكل كبير. ولكن عند مستويات الأكسجين التي تمنع معظم الحياة الحيوانية، تكون هذه النسبة متسقة نسبيًا. من خلال تحديد نسبة نظائر السيلينيوم في الرسوبيات البحرية، يمكن للباحثين استنتاج ما إذا كانت مستويات الأكسجين كافية لدعم الحيوانات التي تتنفس تحت الماء.
الأحداث الأكسجينية في التاريخ الجيولوجي
أظهرت البيانات التي جمعها الفريق أن هناك حدثين أكسجينين حدثا في المياه العميقة للأرفف القارية الخارجية: حدث عابر قبل حوالي 540 مليون عام، خلال فترة باليوزوية تعرف بالعصر الكامبري، وحدث بدأ بين 393-382 مليون سنة قبل الميلاد، خلال فترة تُعرف بالدفوني الأوسط، واستمر حتى يومنا هذا. خلال الألفية الفاصلة، انخفض الأكسجين إلى مستويات غير مضيافة لمعظم الحيوانات.
تزامن هذا الحدث مع العديد من التغييرات في التطور والتحولات البيئية في المحيطات، حيث بدأت الأسماك الفكية، المعروفة باسم الغناثوستوم، وغيرها من الحيوانات في غزو وتنوع في مثل هذه البيئات، وفقًا للسجل الأحفوري. كما أن الحيوانات أصبحت أكبر حجمًا، ربما لأن الأكسجين كان يدعم نموها.
الخاتمة
توضح هذه الدراسة بوضوح العلاقة بين الأكسجين والحياة الحيوانية في المحيطات، حيث تم التوصل إلى توازن منذ حوالي 400 مليون سنة. إن هذا التوازن الذي تم تحقيقه على مدى ملايين السنين، سيكون من المؤسف أن يتم الإخلال به اليوم بسبب الأنشطة البشرية التي تؤدي إلى نقص الأكسجين في بعض المناطق البحرية. تعزيز الوعي حول هذه القضية يمكن أن يساعد في الحفاظ على هذا التوازن الضروري لحياة المحيطات. من المهم أن ندرك أن الحفاظ على البيئة البحرية ليس فقط واجبًا علميًا، بل هو أيضًا مسؤولية جماعية تجاه الأجيال القادمة.