ببساطة
تحدث في الفضاء انفجارات قصيرة تطلق أشعة قوية جدًا، وقد تستمر من لحظات إلى ساعات. يظن العلماء أنهم يعرفون أسبابها، لكن رصد انفجارات غريبة في السنوات الأخيرة أظهر أن الصورة أعقد مما توقعوا. فهم هذه الومضات قد يساعد على تفسير نشأة عناصر مثل الذهب، وكيف تطورت المجرات القديمة.
في مكان بعيد من الكون، قد ينهار نجم أو تصطدم بقايا نجمين شديدي الكثافة، فتندفع من الحدث حزم من الإشعاع والجسيمات تكاد تبلغ سرعة الضوء. إذا اتجهت إحدى هذه الحزم نحو الأرض، تستطيع مراصد الفضاء تسجيل ومضة من أشعة غاما؛ وهي أشعة عالية الطاقة لا تراها العين، لكنها قد تكون العلامة الأولى على انفجار كوني بالغ العنف. وبعد الومضة، يتوهج محيط الانفجار بأطوال موجية أخرى، من الأشعة السينية إلى الضوء المرئي وموجات الراديو.
ومضات كانت تُحسب اختبارات نووية
لم يبدأ اكتشاف هذه الانفجارات من مرصد صُمم خصيصًا لاستكشاف أعماق الكون، بل من برنامج عسكري في زمن الحرب الباردة. أطلقت الولايات المتحدة في ستينيات القرن العشرين أقمار «فيلا» لمراقبة الأرض بحثًا عن إشارات قد تكشف تفجير أسلحة نووية. وفي 2 يوليو 1967، سجل قمران إشارة غريبة بدت للوهلة الأولى شبيهة بإشارة انفجار نووي، لكن نمط الإشعاع لم يطابق ما ينتظر من تجربة على الأرض، كما بدا أن مصدره في الفضاء.
عندما فحص العلماء بيانات الأقمار، عثروا على 16 حدثًا مشابهًا جرى تسجيلها بين يوليو 1969 ويوليو 1972. ظلت المعلومات سرية في البداية، ثم أُعلنت النتائج عام 1973 بعد التأكد من أن الإشارات لا تشير إلى اختبار سوفيتي خفي. لم يكن لدى العلماء آنذاك تفسير واضح، فأطلقوا على الظاهرة اسم انفجارات أشعة غاما، أو «GRBs» اختصارًا.
على مدى عقود، ساعدت مراصد فضائية، منها مرصد كومبتون لأشعة غاما التابع لناسا، ومرصد «إنتغرال» الأوروبي، ثم مرصدا «فيرمي» و«سويفت» التابعان لناسا، على رصد آلاف الانفجارات. وأظهرت عمليات الرصد أن هذه الأحداث ليست إشارات قادمة من تفجيرات أرضية أو مصادر خيالية، بل ظواهر طبيعية تقع في أجرام بعيدة. واليوم تلتقط المراصد، في المتوسط، نحو انفجار واحد يوميًا، مع أن كثيرًا من الانفجارات يفوتنا لأن حزمها لا تتجه نحونا.
ما الذي يجعل الومضة بهذه القوة؟
الانفجار لا يرسل الطاقة بالتساوي في جميع الاتجاهات. ففي السيناريوهات الشائعة، تنطلق من قرب الثقب الأسود حزمتان ضيقتان ومتعاكستان، محمولتان على مادة شديدة السخونة وجسيمات سريعة تتحرك تقريبًا بسرعة الضوء. ويُعتقد أن الجسيمات قد تشمل إلكترونات وبوزيترونات، وربما بروتونات، وأن المجالات المغناطيسية تساعد على توجيهها. لا نرى عادة إلا الحزمة التي تصادف أن يكون مسارها قريبًا من الأرض.
تتفاوت مدة الانفجارات، وقد اعتمد العلماء طويلًا تقسيمًا مبسطًا إلى نوعين: أحداث قصيرة لا تتجاوز ثانيتين، وأخرى طويلة تستمر عشرات الثواني. ارتبط النوع القصير غالبًا باندماج نجمين نيوترونيين، وهما بقايا نجمية صغيرة شديدة الكثافة، بينما رُبط النوع الطويل بانهيار نجم هائل. في الحالتين، يمكن أن تتجمع مادة حول الثقب الأسود الوليد، ثم يسحبها إلى داخله أو يقذف جزءًا منها عبر الحزم. وكمية المادة المتاحة ومعدل سقوطها يؤثران في مدة تشغيل النفاثات.
قد يطلق انفجار أشعة غاما خلال ثوانٍ طاقة تعادل ما تنتجه الشمس طوال عمرها، ويشبّه تقدير آخر طاقته بمقدار يقارب مليون تريليون تريليون قنبلة من طراز قنبلة هيروشيما. لذلك تفوق هذه الأحداث انفجارات النجوم العظمى في شدتها، رغم أن النجوم العظمى نفسها من أكثر الظواهر الكونية طاقة. لكن المسافات الهائلة تخفف ما يصل إلى الأرض؛ فمعظم الانفجارات المرصودة تأتي من مجرات تبعد مليارات السنين الضوئية.
لو أصابت حزمة مباشرة كوكبًا من مسافة بضعة آلاف من السنين الضوئية، فقد تكون النتائج خطرة على غلافه الجوي. وقد درس الفيزيائي والفلكي برايان توماس من جامعة واشبورن احتمال تأثير كهذا في الأرض: يمكن للإشعاع أن يفكك جزيئات الأكسجين والنيتروجين، ويساعد على تكوين أكاسيد النيتروجين التي تستنزف الأوزون. وقد يؤدي ضعف طبقة الأوزون قرابة عقد إلى زيادة تعرض الكائنات للأشعة فوق البنفسجية. غير أن هذا السيناريو افتراضي واحتمال وقوعه ضئيل للغاية، فلا يمثل خطرًا يوميًا علينا.
مصانع كونية لعناصر الأرض
تكمن أهمية الانفجارات في أنها قد تكشف أيضًا كيف نشأت بعض المواد التي تدخل في تكوين العالم من حولنا. أنتجت النجوم الأولى، عبر التفاعلات داخلها، الهيدروجين والهيليوم وعناصر أثقل وصولًا إلى الحديد. أما تكوين كثير من العناصر الأثقل فيحتاج إلى ظروف غنية بالنيوترونات الحرة؛ إذ تلتقطها النوى الذرية بسرعة في عملية تعرف باسم الالتقاط السريع للنيوترونات، أو عملية «آر».
يُعتقد أن نحو نصف العناصر التي تتجاوز الحديد في الثقل تنشأ بهذه الطريقة، ومن بينها الذهب والبلاتين واليورانيوم والثوريوم واليود. وقد تتوافر الظروف المناسبة خلال اصطدام نجمين نيوترونيين، أو في بعض الانهيارات النجمية العنيفة. لذلك لا تقتصر فائدة رصد الومضة على معرفة مصدرها، بل تمتد إلى تتبع نشأة عناصر لها أدوار مختلفة: فاليود يدخل في هرمونات الغدة الدرقية، واليورانيوم يسهم في حرارة باطن الأرض، والذهب والبلاتين من المعادن المهمة في الاستخدامات الثقافية والصناعية.
جاء دليل بارز عام 2017. ففي 17 أغسطس رصد مرصدا «ليغو» الأميركي و«فيرغو» الإيطالي تموجات في الزمكان مصدرها مجرة NGC 4993، التي تبعد نحو 130 مليون سنة ضوئية في كوكبة الشجاع. وكشفت خصائص الإشارة أن جرمَين متورطين في الحدث كانا نجمين نيوترونيين اصطدما. وبعد ذلك بقليل، رصد تلسكوب «فيرمي» ومضة أشعة غاما من الاتجاه نفسه، سُميت GRB 170817A.
رافق الحدث توهج من نوع «كيلونوفا»، يرتبط بقذف مادة غنية بالنيوترونات، وهي مادة ملائمة لتكوين العناصر الثقيلة. وقدّر حساب أن كمية الذهب والبلاتين الناتجة ربما بلغت ما يعادل عشرة أمثال كتلة الأرض. لم يكن هذا الرصد مهمًا لأنه حسم كل شيء، بل لأنه جمع بين موجات الجاذبية وأشعة غاما والتوهج اللاحق في حدث واحد، وقدّم دعمًا قويًا لارتباط اندماج النجوم النيوترونية بصناعة بعض أثقل العناصر.
انفجارات طويلة أربكت التصنيف
بدت القواعد واضحة حتى ظهر حدث في ديسمبر 2021. رُصد GRB 211211A في مجرة تبعد 1.1 مليار سنة ضوئية، واستمر نحو 50 ثانية؛ وهي مدة تلائم عادة فئة الانفجارات الطويلة المرتبطة بانهيار نجم ضخم. لكن فريقًا ضم الفلكية جليان راستينجاد من جامعة ميريلاند، كوليدج بارك، استخدم مراصد في هاواي وأريزونا، ولم يجد العلامات المتوقعة لانفجار مستعر أعظم. بدلًا من ذلك، رصد توهجًا أحمر بدا متوافقًا مع إنتاج عناصر ثقيلة في كيلونوفا.
أظهرت الدراسة المنشورة عام 2022 أن الحدث لم يتبع المسار التقليدي المتوقع لانهيار نجم ضخم، لكن تفسيره بقي موضع نقاش. ربما اندمج نجمان نيوترونيان، إلا أن مدة الاندفاع تطرح سؤالًا: كيف وفرت بقاياهما وقودًا لحزم استمرت 50 ثانية؟ طُرح احتمال أن يكون ثقب أسود قد مزق نجمًا نيوترونيًا مرافقًا، فنتجت مادة كثيرة سقطت عليه تدريجيًا. واقترح تفسير آخر أن قرصًا كبيرًا من المادة تكوّن حول بقايا الاندماج وأطال إمداد النفاثات بالوقود. في المقابل، رأى عالم الفيزياء الفلكية إريك بيرنز من جامعة ولاية لويزيانا أن قزمًا أبيض، وهو بقايا نجم أصغر مثل الشمس، قد يكون الطرف الثاني؛ إذ يمكن أن يستغرق ابتلاعه وقتًا أطول.
وفي عام 2023، ظهر GRB 230307A واستمر 200 ثانية، من دون إشارات واضحة إلى مستعر أعظم. وجّه علماء الفلك تلسكوب جيمس ويب الفضائي نحو مصدره، ورصدوا في الأشعة تحت الحمراء ضوءًا من عنصر التيلوريوم، وهو من العناصر المرتبطة بعملية «آر». عزز ذلك احتمال مشاركة نجوم نيوترونية في الحدث، لكنه لم يفسر كيف نتج انفجار طويل كهذا. وكان من الممكن أن تساعد موجات الجاذبية في تحديد طبيعة الأجرام، إلا أن مرصدي «ليغو» و«فيرغو» كانا متوقفين للصيانة حينها.
الأشد سطوعًا لم يكشف كل أسراره
في 9 أكتوبر 2022، رصد العلماء حدثًا آخر أصبح يعرف باسم «الأشد سطوعًا على الإطلاق»، أو BOAT. انطلق من مسافة 2.4 مليار سنة ضوئية، ووصلت حزمته إلى الأرض بقوة جعلت مراصد أشعة غاما المدارية تُشبَع بإشاراتها مؤقتًا. واستمر تدفق أشعة غاما أكثر من عشر دقائق، كما أثّر الحدث في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، ورُصدت اضطرابات في اتصالات الراديو ونشاط أجهزة استشعار البرق في الهند.
يُعتقد أن نجمًا تصل كتلته إلى نحو 30 مرة كتلة الشمس انهار في أصل هذا الانفجار، مشكلًا ثقبًا أسود. وقدّر الفلكيون أن حدثًا بهذه الشدة قد يصل إلى الأرض مرة كل 10,000 سنة. وبعد أشهر من الانفجار، تمكن تلسكوب جيمس ويب من تحديد المستعر الأعظم المرتبط به. وكان العلماء يأملون أن يروا فيه آثار عناصر ثقيلة صنعتها النجوم المنهارة، لكن الرصد لم يكشف دليلًا واضحًا على تلك العناصر. وهكذا لم يحل الانفجار لغز مصدر العناصر الثقيلة، بل أضاف سؤالًا جديدًا: هل تنتج الانهيارات النجمية هذه العناصر بكميات أقل مما توقعنا؟
سبع ساعات من الإشعاع المتقطع
في 2 يوليو 2025، سجّل تلسكوب «فيرمي» حدثًا جديدًا حمل الرمز GRB 250702B، قادمًا من مجرة مغبرة تبعد نحو 8 مليارات سنة ضوئية. قُدرت طاقته بما يعادل إشعاع 1,000 شمس على مدى 10 مليارات سنة، ولم يكن أشد سطوعًا من BOAT، لكنه حطم رقم مدة الانفجار: استمر سبع ساعات على الأقل. كما بدا أنه خفت ثم عاد للاشتعال ثلاث مرات.
يصعب تفسير ذلك بانفجار نجم عادي يحدث مرة واحدة. ومن الأفكار المطروحة أن الحزمة كانت تتمايل، فتدخل مجال رؤيتنا وتخرج منه، فيبدو الانبعاث كأنه توقف ثم عاد. لكن هذا لا يحل مشكلة المدة. فزيادة سرعة دوران النجم المنهار قد تبطئ ابتلاع المادة، إلا أن الدوران الشديد جدًا قد يمنع النجم من إكمال انهياره بالطريقة المطلوبة. لذلك بحثت فرق، من بينها فريق تقوده طالبة الدراسات العليا إليزا نايتس وبراين توماس، عن نظام أكثر غرابة.
يقترح أحد النماذج ثقبًا أسود صغيرًا كتلته نحو ثلاثة أمثال كتلة الشمس وقطره قرابة 10 أميال، يدور حول نجم خفيف. ربما بدأ الثقب الأسود بسحب الهيدروجين من النجم، تاركًا نواة من الهيليوم، ثم غاص داخله وراح يلتهم مادته ويمزقها. في هذا التصور، ينهار قلب النجم نحو الثقب الأسود، بينما تنطلق الحزم من قطبيه وتثقب غلاف النجم، الذي قد ينفجر بدوره كمستعر أعظم. إنه تفسير ممكن لا نتيجة محسومة؛ فالحدث فريد حتى الآن، والعينة المكونة من انفجار واحد لا تكفي لترجيح نموذج بثقة.
الخاتمة
تعرض انفجارات أشعة غاما مشهدًا متطرفًا، لكنها ليست مجرد أضواء بعيدة. فهي تكشف كيف تتصرف المادة قرب الثقوب السوداء، وتتيح اختبار أفكار نشأة العناصر الثقيلة، وتعمل كمنارات تساعد على استكشاف مجرات قديمة. وقد أثبتت أحداث مثل اندماج النجوم النيوترونية عام 2017 أن بعض تصورات العلماء صائبة، فيما أظهرت انفجارات 2021 و2023 و2025 أن التصنيف التقليدي إلى أحداث قصيرة وأخرى طويلة لا يشرح كل ما نراه.
لا يزال العلماء يواجهون ثلاثة تحديات متداخلة: فهم الفيزياء العنيفة التي تشغل هذه الانفجارات، والحاجة إلى مراصد أكثر قدرة على التقاط التفاصيل، ومحدودية عدد الأحداث النادرة التي يمكن دراستها عن قرب. وقد تبقى بعض الألغاز مفتوحة سنوات طويلة، لكن رصد انفجار جديد قد يغيّر الصورة بسرعة. ففي ظواهر تدوم أحيانًا ثواني، وأحيانًا سبع ساعات، تكمن فرصة نادرة لمشاهدة الكون وهو يتغير أمام أدواتنا.