تخطى إلى المحتوى

فهم آلية الهلوسات السمعية في اضطرابات الفصام

تُعتبر الهلوسات السمعية من الظواهر الغامضة التي ترافق اضطرابات الفصام، حيث يعاني نحو 80% من المصابين بهذه الاضطرابات من سماع أصوات غير موجودة في الواقع. هذا الموضوع قد حُظي باهتمام العلماء لفترة طويلة، والآن تشير الأبحاث الجديدة إلى اقترابنا من فهم الآليات الدماغية التي تقف وراء هذه الظاهرة.

دور الأفكار الداخلية في الهلوسات السمعية

لطالما اعتقد الخبراء أن الهلوسات السمعية قد تنشأ من تفسير الشخص لأفكاره الداخلية كأصوات حقيقية قادمة من العالم الخارجي. في الأشخاص الأصحاء، عندما يتحدثون أو يتأهبون للحديث، فإن منطقة الدماغ المسؤولة عن التخطيط للحركات تقوم بقمع الإشارات في القشرة السمعية، مما يساعد في التمييز بين الصوت الداخلي والضجيج الخارجي. هذا الآلية قد تكون معيبة في المصابين بالفصام، مما يؤدي إلى ظهور الهلوسات.

أظهرت دراسة نُشرت في مجلة “شيزوفرينيا بوليتين” أن الأفكار الداخلية تقوم بقمع القشرة السمعية لدى الأفراد الأصحاء. ولكن في المصابين بالفصام الذين يعانون من الهلوسات السمعية، زادت هذه الأفكار من استجابة القشرة السمعية.

تجربة قياس النشاط الدماغي

قام فريق من الباحثين بقيادة الباحث توماس ويتفورد من جامعة نيو ساوث ويلز في أستراليا بإجراء دراسة لقياس النشاط الدماغي باستخدام تقنية التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG). شملت الدراسة أفراداً يعانون من اضطرابات الفصام، منهم من يسمع أصواتاً وآخرون لا يسمعونها. طُلب من المشاركين تخيل نطق مقاطع صوتية مثل “با” أو “بي” دون تحريك أفواههم، بينما كانوا يستمعون لأصوات عبر سماعات رأسهم.

في الأفراد الأصحاء، كان تخيل النطق مع سماع صوت مطابق يؤدي إلى تقليل استجابة القشرة السمعية. أما في المصابين بالفصام، فكان التأثير معاكساً، حيث زادت الاستجابة عند تطابق الصوتين.

آفاق الأبحاث المستقبلية

تُكمل هذه الدراسة أبحاثاً سابقة أجراها فريق الباحث زينغ تيان من جامعة نيويورك في شنغهاي، والتي ركزت على تفكيك الآليات في المناطق الحركية والسمعية في الدماغ. توضح هذه الدراسات كيف أن الإشارات غير الطبيعية قد تؤدي إلى الخلط بين الأصوات الداخلية والخارجية لدى المصابين بالفصام.

يشير علماء النفس مثل ماهيش مينون من جامعة كولومبيا البريطانية إلى أن هذه الدراسة تقدم فهماً جديداً ومبتكراً لكيفية حدوث الأعراض الذهانية المشابهة.

أهمية الفهم العميق للهلوسات السمعية

يشير الباحثون إلى أن فهم الآليات الدماغية التي تؤدي إلى الهلوسات السمعية قد يسهم في تطوير خيارات علاجية جديدة. رغم أن الهلوسات السمعية ليست مؤشرًا دائمًا على شدة الفصام، إلا أن فهمها قد يساعد في تحديد المخاطر والأعراض في مراحل مبكرة.

يأمل الباحثون أن يتمكن اختبار EEG من تقييم خطر الإصابة بالأعراض الذهانية والهلوسات، مما قد يؤدي إلى تقديم علاجات وقائية مبكرة.

الخاتمة

تُعد الأبحاث الحديثة خطوة هامة نحو فهم أعمق للهلوسات السمعية المرتبطة بالفصام. من خلال دراسة التفاعل بين الأفكار الداخلية واستجابة القشرة السمعية، يمكن أن نقترب من إيجاد حلول علاجية ووقائية تسهم في تحسين جودة حياة المصابين بهذه الاضطرابات. ومع استمرار الأبحاث، قد نتمكن من تفكيك التعقيدات التي تحيط بهذه الظاهرة والتمهيد لعلاجات مبتكرة.