تخطى إلى المحتوى

كيف تتفوق الفيروسات على الخلايا البشرية

تُعتبر الفيروسات من أكثر الكائنات الحية كفاءة، حيث يمكنها السيطرة على خلايانا والتحكم في العمليات الحيوية باستخدام عدد قليل من الجينات فقط. لقد أدهشت هذه القدرة العلماء لعقود طويلة، إلا أن اكتشافًا حديثًا قد يغير فهمنا لكيفية عمل الفيروسات ويفتح الأبواب أمام طرق جديدة لمكافحتها.

الاكتشاف الكبير الذي يكشف أسرار الفيروسات

فريق من العلماء الأستراليين نجح في كشف كيف تتمكن بعض الفيروسات من السيطرة على الخلايا البشرية، وهو ما قد يقود إلى تطوير جيل جديد من المضادات الفيروسية واللقاحات. وقد قاد هذا البحث كلاً من جامعة موناش وجامعة ملبورن، ونُشرت نتائجه في مجلة Nature Communications.

وقد أوضح الباحثون كيفية تمكن فيروس داء الكلب من التلاعب بمجموعة واسعة من الأنشطة الخلوية رغم إنتاجه لعدد قليل من البروتينات. ويعتقد العلماء أن هذه الآلية قد تكون مستخدمة أيضًا من قبل فيروسات مميتة أخرى، مثل فيروس نيباه وفيروس إيبولا.

كيف تحقق الفيروسات الكثير بالقليل

وصف الأستاذ المشارك جريج موسلي، رئيس مختبر الأمراض الفيروسية في معهد موناش لاكتشاف الطب الحيوي، كفاءة الفيروسات الرائعة قائلاً: “الفيروسات مثل فيروس داء الكلب يمكن أن تكون قاتلة للغاية لأنها تسيطر على العديد من جوانب الحياة داخل الخلايا التي تصيبها”.

وأوضح أن الفيروسات تختطف الآلات التي تصنع البروتينات، وتعطل “خدمة البريد” التي ترسل الرسائل بين أجزاء الخلية المختلفة، وتعطل الدفاعات التي تحمينا عادةً من العدوى.

البروتين الفيروسي المتحول

قدم الدكتور ستيفن رولينسون، الباحث في مختبر موسلي، تفسيرًا لكيفية تحقيق الفيروسات لهذه الكفاءة. وأوضح أن الدراسة اكتشفت أن أحد البروتينات الرئيسية في فيروس داء الكلب، والمعروف باسم بروتين P، يكتسب مجموعة مذهلة من الوظائف من خلال قدرته على تغيير شكله والارتباط بالحمض النووي الريبي.

وأشار إلى أن الحمض النووي الريبي هو نفس الجزيء المستخدم في اللقاحات الجينية الجديدة، ولكنه يلعب أدوارًا أساسية داخل خلايانا، حيث يحمل الرسائل الجينية وينسق الاستجابات المناعية ويساعد في صنع مكونات الحياة.

السيطرة على العالم الداخلي للخلية

أوضح البروفيسور بول جولي، الذي يقود مختبر جامعة ملبورن، أن قدرة بروتين P الفيروسي على التفاعل مع الحمض النووي الريبي تمكنه من التحول بين “مراحل” مادية مختلفة داخل الخلية. وهذا يسمح له بالتسلل إلى العديد من مقصورات الخلية السائلة والسيطرة على العمليات الحيوية وتحويل الخلية إلى مصنع فيروس فعال.

ورغم أن هذا البحث ركز على فيروس داء الكلب، إلا أنه يُحتمل أن تستخدم فيروسات مميتة أخرى، مثل نيباه وإيبولا، تكتيكات مماثلة. وأكد أن فهم هذه الآلية الجديدة يفتح إمكانيات مثيرة لتطوير مضادات فيروسية أو لقاحات تعيق هذه القدرة التكيفية المذهلة.

إعادة التفكير في كيفية عمل البروتينات الفيروسية

أكد الدكتور رولينسون أن النتائج تتحدى الطريقة التقليدية التي ينظر بها العلماء إلى البروتينات الفيروسية متعددة الوظائف. وقال: “حتى الآن، كان ينظر إلى هذه البروتينات مثل القطارات المكونة من عدة عربات، حيث تكون كل عربة (أو وحدة) مسؤولة عن مهمة محددة”.

ولكن وفقًا لهذا المفهوم، ينبغي أن تفقد النسخ الأقصر من البروتين وظائفها ببساطة عند إزالة العربات. ومع ذلك، اكتشافنا أظهر أن تعددية الوظائف يمكن أن تنشأ أيضًا من الطريقة التي تتفاعل بها ‘العربات’ وتتشكل معًا لخلق أشكال جديدة وقدرات جديدة مثل الارتباط بالحمض النووي الريبي.

الخاتمة

يقدم هذا الاكتشاف منظورًا جديدًا حول قدرة الفيروسات على التكيف. إن قدرة بروتين P على الارتباط بالحمض النووي الريبي تمكنه من التحرك بين “مراحل” مادية مختلفة داخل الخلية، مما يسمح له بالوصول إلى مقصورات الخلية السائلة والتلاعب بها. يؤكد هذا البحث على كيفية استخدام الفيروسات لموادها الجينية المحدودة لإنشاء بروتينات مرنة وقادرة على السيطرة على الأنظمة الخلوية المعقدة. هذا الفهم الجديد قد يفتح الأبواب أمام تطوير علاجات فعالة لمكافحة الفيروسات القاتلة.