على مدى أكثر من خمسين عامًا، ظلّ القمر معلقًا في سمائنا كذكرى وكوعد في آنٍ واحد. في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، خطا الإنسان خطواته الأولى على سطحه، وكأن التاريخ تسارع فجأة ليختصر قرونًا من التقدم في عقدٍ واحد. ثم، وبسرعة لا تقل درامية، توقفت الرحلة. صمتت منصات الإطلاق، وتوقفت الصواريخ العملاقة، وعاد الإنسان ليكتفي بالدوران حول الأرض بدلًا من الإبحار بعيدًا عنها.
اليوم، ينتهي ذلك الصمت الطويل.
المهمة التي تعلن هذا التحول هي أرتميس 2، أول رحلة مأهولة ضمن برنامج أرتميس التابع لوكالة ناسا. هذه العودة ليست استعراضًا رمزيًا، بل خطوة محسوبة لبناء وجود بشري دائم خارج مدار الأرض. إنها تحمل تقنيات جديدة، ورؤية استراتيجية مختلفة، وشراكات دولية أوسع، وجيلًا من رواد الفضاء لم يعش عصر أبولو لكنه تربى على مشاهدة المحطات الفضائية والبث المباشر لعمليات الإطلاق.
هذه المرة، القمر ليس خط النهاية… بل نقطة الانطلاق.
لماذا نعود إلى القمر؟
الدوافع التي تحرك العودة إلى القمر اليوم تختلف جذريًا عما كان في القرن الماضي. في زمن الحرب الباردة، كان الوصول إلى القمر مسألة تنافس سياسي وهيبة دولية. كان زرع العلم فوق سطحه رسالة واضحة إلى العالم. لكن بعد تحقيق الهدف، تراجع الزخم.
اليوم، ينظر إلى القمر بوصفه منصة استراتيجية. فهو قريب بما يكفي للعودة السريعة في حالات الطوارئ، وبعيد بما يكفي لاختبار تحديات الفضاء العميق. هناك تزداد مستويات الإشعاع، ويصبح الاتصال بالأرض أبطأ، ويُطلب من الأنظمة أن تعمل باستقلالية أكبر. كل ما سيواجهه رواد الفضاء في رحلاتهم المستقبلية إلى المريخ يبدأ بالتجلي بمجرد أن تتحول الأرض إلى كرة زرقاء صغيرة في نافذة المركبة.
كما أن الاكتشافات الحديثة غيّرت نظرتنا إلى القمر. فقد كشفت الدراسات عن وجود جليد مائي في مناطق مظلمة قرب القطب الجنوبي القمري. الماء ليس مجرد مورد للحياة، بل مفتاح للطاقة. يمكن تحليله لإنتاج الأكسجين والهيدروجين، أي الوقود اللازم للصواريخ. تخيل أن يصبح القمر محطة تزويد بالوقود في طريقنا نحو أعماق النظام الشمسي.
القمر أيضًا مختبر علمي فريد. جانبه البعيد معزول عن الضوضاء الراديوية للأرض، ما يجعله مكانًا مثاليًا لدراسة الكون المبكر. سطحه يحتفظ بسجل جيولوجي يعود إلى بدايات النظام الشمسي، محفوظًا من عوامل التعرية التي تمحو آثار الماضي على كوكبنا.
لهذا، العودة إلى القمر ليست عودة عاطفية، بل خطوة مدروسة نحو مستقبل أوسع.
لماذا انقطعنا عن القمر كل هذه العقود؟
عندما غادرت بعثة أبولو 17 سطح القمر عام 1972، لم يتوقع كثيرون أن تمر خمسة عقود دون عودة بشرية. لكن الواقع الاقتصادي والسياسي كان حاسمًا.
برنامج أبولو كان مكلفًا للغاية. ومع انتهاء سباق الفضاء، تراجع الحافز السياسي للاستمرار بنفس الوتيرة. تحوّل التركيز إلى تطوير مكوك الفضاء، ثم إلى إنشاء محطة الفضاء الدولية، حيث بدا أن البحث العلمي في المدار الأرضي يقدم عوائد عملية أكبر مقابل مخاطر أقل.
كما أن فكرة إقامة وجود دائم على القمر كانت تتطلب تقنيات لم تكن ناضجة آنذاك. لم يكن هناك اقتصاد فضائي نشط، ولا شراكات تجارية واسعة، ولا أنظمة دعم حياة طويلة الأمد قادرة على العمل في بيئة الفضاء العميق.
اليوم، تغير المشهد. الحواسيب أكثر تطورًا، المواد أخف وأقوى، والقطاع الخاص أصبح شريكًا فاعلًا. أصبح بالإمكان التفكير في القمر كجزء من خطة طويلة الأمد، لا كمغامرة عابرة.
مهمة أرتميس 2: الرحلة حول القمر
تمثل أرتميس 2 أول اختبار حقيقي لعودة البشر إلى ما وراء مدار الأرض منذ حقبة أبولو. ستنطلق المهمة على متن صاروخ نظام الإطلاق الفضائي، وهو أقوى صاروخ تشغله ناسا حاليًا، قادر على دفع مركبة ثقيلة إلى أعماق الفضاء.
في قمته، تتربع مركبة أوريون، المصممة خصيصًا للرحلات البعيدة. تتميز أوريون بأنظمة دعم حياة متطورة، وقدرات ملاحة رقمية عالية الدقة، ودرع حراري قادر على تحمل درجات حرارة هائلة عند العودة بسرعات تفوق 39 ألف كيلومتر في الساعة.
لن تهبط أرتميس 2 على سطح القمر. بدلاً من ذلك، ستتبع مسارًا يُعرف بالعودة الحرة، حيث تدور المركبة حول القمر وتعود إلى الأرض مستفيدة من جاذبيته. هذا المسار يوفر مستوى أمان إضافيًا، إذ يسمح بالعودة حتى في حال تعطل أنظمة الدفع.
خلال الرحلة، سيبتعد الطاقم آلاف الكيلومترات خلف الجانب البعيد للقمر، مسجلين أبعد نقطة يصل إليها بشر في التاريخ.
رواد الفضاء: وجوه المرحلة الجديدة
تضم أرتميس 2 أربعة رواد فضاء يمثلون خبرات متنوعة وتعاونًا دوليًا واضحًا.
القائد ريد وايزمان طيار بحري سابق، شغل مناصب قيادية داخل وكالة ناسا، وسبق أن أمضى أشهرًا في محطة الفضاء الدولية. خبرته في إدارة الفرق والعمليات المعقدة تجعله عنصرًا محوريًا في هذه المهمة الحساسة.
الطيار فيكتور جلوفر هو أيضًا طيار اختبار وبحري سابق، شارك في مهام فضائية سابقة إلى المدار الأرضي. يتمتع بخبرة تشغيلية وهندسية، ويُنظر إلى مشاركته بوصفها محطة تاريخية مهمة في تنوع بعثات الفضاء.
كريستينا كوك، أخصائية المهمة، تحمل الرقم القياسي لأطول مهمة فضائية متواصلة لامرأة. قضت قرابة عام في الفضاء، وأجرت تجارب علمية متعددة. قدرتها على التحمل وخبرتها العلمية تضيفان بعدًا مهمًا لهذه الرحلة.
أما جيريمي هانسن، فيمثل كندا في هذه المهمة، ليكون أول رائد فضاء كندي يشارك في رحلة إلى القمر. خلفيته كطيار مقاتل ومهندس تعكس طبيعة الشراكات الدولية التي يقوم عليها برنامج أرتميس.
هؤلاء الأربعة لا يمثلون أنفسهم فقط، بل يمثلون آلاف العلماء والمهندسين الذين يقفون خلف كل تفصيل في هذه الرحلة.
موعد الإطلاق ومدة الرحلة
تستهدف ناسا إطلاق أرتميس 2 في عام 2026، مع مراعاة جاهزية الأنظمة وتوافق نوافذ الإطلاق الفلكية. تستغرق الرحلة نحو عشرة أيام تقريبًا، تبدأ بإقلاع مدوٍ، يعقبه دخول مدار أرضي مؤقت، ثم مناورة الدفع نحو القمر.
بعد أيام من التحليق، تمر المركبة خلف القمر، في لحظة صمت مؤقت عن الأرض. ثم تبدأ رحلة العودة، حيث تدخل الغلاف الجوي بسرعات هائلة قبل أن تهبط في المحيط ليتم استرجاع الطاقم.
عشرة أيام تختصر عقودًا من التخطيط.
ماذا سنكسب علميًا؟
رغم أن أرتميس 2 تركز على اختبار الأنظمة، فإنها توفر بيانات علمية لا تقدر بثمن. سيُدرس تأثير الإشعاع في الفضاء العميق على جسم الإنسان، وستُختبر أنظمة الملاحة والاتصال تحت ظروف حقيقية، كما سيجري تقييم أداء المركبة في بيئة قاسية بعيدة عن الدعم الفوري.
الأهم من ذلك، أن المهمة تعيد للبشرية القدرة على السفر إلى ما وراء مدار الأرض. هذه القدرة بحد ذاتها تمثل أداة علمية تفتح أبوابًا لبعثات مستقبلية أعمق.
الخطوات التالية
بعد أرتميس 2، تأتي مهمة أرتميس 3 التي تهدف إلى إعادة البشر إلى سطح القمر، خصوصًا قرب القطب الجنوبي. كما يجري العمل على إنشاء محطة “البوابة القمرية” التي ستدور حول القمر لتكون نقطة انطلاق للبعثات السطحية.
الهدف النهائي ليس زيارة عابرة، بل وجود مستدام، يشمل مساكن سطحية وأنظمة طاقة وتجارب لاستخراج الموارد.
الخاتمة
العودة إلى القمر ليست تكرارًا للماضي، بل إعادة تعريف للمستقبل. أرتميس 2 تمثل لحظة انتقال من عصر المغامرة إلى عصر الاستدامة. إنها إعلان بأن الإنسان لم يفقد شغفه بالاستكشاف، بل أعاد تنظيمه.
حين ينطلق الصاروخ وتغادر أوريون الأرض، لن تكون الرحلة مجرد حدث تقني، بل بداية مرحلة جديدة في قصة البشر مع السماء.
هذه المرة، لسنا ذاهبين لالتقاط صورة والعودة… بل لنتعلم كيف نبقى.