ماذا يعلّمنا فيروس نيباه، ولماذا لا يُعدّ نسخةً جديدة من كوفيد-19
مع ظهور تقارير حديثة عن تسجيل حالات جديدة من فيروس نيباه في الهند، عاد القلق العالمي إلى الواجهة.
إجراءات فحص في المطارات، حديث عن تشديد السفر، وعناوين صحفية تذكّر ببدايات عام 2020. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
هل نحن على أعتاب جائحة جديدة شبيهة بكوفيد-19؟
الإجابة المختصرة هي: لا — ولكن مع تحذير مهم.
فيروس نيباه ليس كوفيد-19، وفهم الفروق الجوهرية بينهما ضروري لتجنّب الذعر من جهة، والتهاون من جهة أخرى.
نيباه مقابل كوفيد-19: خطران بطبيعتين مختلفتين تمامًا
تحوّل كوفيد-19 إلى جائحة عالمية لأنه انتشر بسرعة وبصمت. كثير من المصابين لم تظهر عليهم أعراض واضحة،
ومع ذلك كانوا ينقلون العدوى، ما سمح للفيروس بالانتشار قبل أن تدرك المجتمعات حجمه الحقيقي.
فيروس نيباه يسلك مسارًا مختلفًا تمامًا. نيباه أشد فتكًا بكثير، لكنه أضعف انتشارًا.
ففي حين أصاب كوفيد-19 مئات الملايين مع معدل وفيات منخفض نسبيًا، تصل نسبة الوفيات في نيباه إلى
40–75٪ من المصابين، لكنه يظل محصورًا في بؤر محدودة وصغيرة.
هذا الاختلاف وحده يغيّر كل شيء.
لماذا نيباه قاتل… ولماذا يبقى محدود الانتشار؟
يهاجم فيروس نيباه بشكل أساسي الدماغ والجهاز التنفسي، وغالبًا ما يؤدي إلى التهاب دماغ حاد،
نوبات صرع، وغيبوبة خلال فترة قصيرة. الأعراض تكون شديدة وواضحة، ما يؤدي إلى التشخيص والعزل المبكرين.
أما كوفيد-19 فقد انتشر لأنه سمح للناس بمواصلة حياتهم الطبيعية وهم معديون.
طريقة الانتقال هي عامل حاسم آخر. كوفيد-19 ينتقل بسهولة عبر الهواء والهباء الجوي،
ويمكن أن يبقى عالقًا في الأماكن المغلقة. نيباه يحتاج غالبًا إلى احتكاك مباشر،
أو تماس مع سوائل الجسم، أو رعاية لصيقة للمصابين، ولا ينتقل حاليًا بكفاءة عبر الهواء في الحياة اليومية.
ببساطة: كوفيد-19 انتشر لأنه كان خفيًا. نيباه لا ينتشر لأنه سريع الظهور وخطير الأعراض.
لماذا تراقبه السلطات الصحية عن كثب رغم ذلك؟
إذا كان نيباه محدود الانتشار، فلماذا كل هذا القلق؟ لأن نيباه يمتلك خصائص خطيرة مجتمعة:
فيروس حيواني المنشأ ينتقل من الحيوانات إلى البشر، قادر على الانتقال بين البشر في ظروف قريبة،
لا يوجد لقاح معتمد ولا علاج نوعي، ونسبة وفيات مرتفعة جدًا.
الخطر لا يكمن في ما هو عليه اليوم، بل في ما قد يصبح عليه لو طرأ عليه تحوّر يجعله أسهل انتقالًا عبر
الجهاز التنفسي. هذا الاحتمال غير مرجّح على المدى القريب، لكنه لو حدث فسيكون تأثيره كارثيًا،
ولهذا تتعامل السلطات مع كل تفشٍّ بجدية قصوى.
لماذا تظهر إجراءات الفحص والرقابة بسرعة؟
بعد تجربة كوفيد-19، لم تعد الحكومات تنتظر اليقين الكامل. أي ظهور لبؤرة فيروس قاتل، حتى لو كانت صغيرة،
يؤدي إلى إجراءات احترازية مثل الفحص في المطارات، مراقبة القادمين، والتتبع الصحي.
هذه الإجراءات ليست مؤشرًا على هلع، بل دليل على يقظة مبكرة تهدف إلى إبقاء الفيروس محصورًا كما كان دائمًا.
ومن المهم التوضيح أن الإغلاقات الشاملة للحدود ليست مبررة في حالة نيباه وفق المعطيات الحالية.
ماذا ينبغي على الناس فعليًا أن يفعلوا؟
دروس كوفيد-19 ما زالت صالحة، لكن يجب تطبيقها بعقلانية لا بعاطفة.
النظافة الشخصية تبقى أساسية: غسل اليدين، التعامل الآمن مع الطعام، وتجنّب الاحتكاك بالمصابين.
التهوية الجيدة مفيدة دائمًا، لكنها ليست بنفس الأهمية القصوى التي كانت مع كوفيد-19، لأن نيباه لا ينتشر بسهولة عبر الهواء.
الكمامات تكون مفيدة خصوصًا في البيئات الطبية أو عند رعاية المرضى، وليست ضرورة يومية عامة.
الأهم في حالة نيباه هو السلامة الغذائية وتجنّب الاحتكاك بالحيوانات البرية،
إذ ارتبطت عدة تفشّيات بأغذية ملوثة أو تماس مباشر مع حيوانات مصابة، خاصة الخفافيش.
وأخيرًا، المسؤولية المبكرة: الأعراض الشديدة لا يجب تجاهلها. العزل السريع وطلب الرعاية الطبية
يوقفان التفشّي قبل أن يتوسع.
الخطر الحقيقي ليس الفيروس… بل ردّ الفعل
علّمنا كوفيد-19 أن الذعر والمعلومات المضللة قد يكونان أكثر تدميرًا من المرض نفسه.
نيباه لا يبرر الخوف الجماعي، ولا التخزين المفرط، ولا شلل الحياة اليومية. وفي المقابل، تجاهله خطأ.
المجتمعات الواعية تتعامل بهدوء، تعتمد على مصادر موثوقة، وتفهم طبيعة الخطر الذي تواجهه.
نيباه ليس فيروسًا متخفيًا قادرًا على إغلاق العالم، بل فيروس شديد الخطورة محدود الانتشار،
يحتاج إلى يقظة لا إلى فزع.
هل نحن إذن في خطر جائحة جديدة؟
ليس بالشكل الذي عشناه مع كوفيد-19. فيروس نيباه يمثل تهديدًا خطيرًا محليًا لكنه قابل للاحتواء عالميًا
في الظروف الحالية. الخطر الحقيقي يكمن في نسيان دروس الماضي، أو في التعامل مع كل تفشٍّ وكأن التاريخ يعيد نفسه.
الاستعداد لا يعني الخوف. الاستعداد يعني الفهم. والفهم هو ما يمنع التفشّي القادم من التحوّل إلى كارثة عالمية.