تعد الذاكرة من الجوانب الأساسية في حياتنا اليومية، وتؤثر بشكل مباشر على كيفية تفاعلنا مع العالم من حولنا. في دراسة جديدة، اكتشف العلماء أن الطريقة التي تروي بها القصة يمكن أن تؤثر على كيفية تخزينها واسترجاعها في الدماغ. هذا الاكتشاف يساهم في فهم أفضل لكيفية تفاعل الدماغ مع المعلومات المختلفة وتذكرها.
أنواع السرد وتأثيرها على الذاكرة
عند سرد قصة، يمكن أن نركز على التفاصيل الحسية، مثل كيف يبدو الطعام أو كيف يتذوق، أو يمكننا التركيز على التجارب المفاهيمية، مثل ما الذي يجعلنا نشعر به هذا الطعام أو ما الأفكار التي يثيرها فينا. في الدراسة الحديثة، وجد العلماء أن هذين النوعين من السرد ينشطان آليات ذاكرة مختلفة في دماغ المستمع، مما يؤثر على كيفية تذكره لما قيل له.
لا تشير النتائج إلى أن أحد أشكال السرد – سواء كان مفاهيمياً أو حسياً – هو بالضرورة أسهل في التذكر من الآخر. بل أن المشاركين في الدراسة تذكروا القصص التي تم سردها بهذين الأسلوبين بشكل متساوٍ تقريباً. ومع ذلك، فإن النتائج توضح أن تقنيات السرد المختلفة يمكن أن تغير كيفية تخزين واسترجاع تلك المعلومات.
دور الحُصين والشبكات الدماغية في تكوين الذكريات
الذكريات ليست مخزنة في مكان واحد في الدماغ. بدلاً من ذلك، يتم توزيع آثار الذاكرة عبر الشبكات في الطبقات الخارجية للدماغ. تتصل هذه الشبكات ببنية دماغية عميقة تسمى الحُصين، الذي يساعد في تكوين وفهرسة واسترجاع الذكريات.
عند تكوين ذاكرة، يميل الحُصين إلى التفاعل مع بعض هذه الشبكات الدماغية أكثر من غيرها. أراد الباحثون اختبار ما إذا كانت القصص التي تحتوي على تفاصيل مختلفة ستنشط شبكات الحُصين المختلفة. قاموا بتجنيد 35 مشاركًا للاستماع إلى ثلاثة قصص عادية أثناء وجودهم في جهاز تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI).
نتائج الدراسة وتحليلها
عندما تذكر المشاركون القصص التي سمعوها مع تفاصيل مفاهيمية، نشطت الحُصين جنبًا إلى جنب مع أجزاء من شبكة دماغية تسمى شبكة الوضع الافتراضي (DMN). هذه الشبكة تكون نشطة عند معالجة المعلومات عن الذات والمشاعر.
في المقابل، عندما تذكر الأشخاص القصص التي تحتوي على تفاصيل حسية، نشطت الحُصين إلى جانب شبكات دماغية خارج DMN، بما في ذلك التَّلْمَة الزاوية اليسرى. هذه المنطقة الدماغية معروفة بأنها نشطة عند استرجاع الذكريات التي تحتوي على تفاصيل حسية متعددة.
تفضيلات الذاكرة وتغييراتها مع تقدم العمر
على الرغم من أن المشاركين تذكروا كلا النوعين من القصص بشكل جيد على المدى القصير، إلا أنهم فضلوا القصص المفاهيمية على الحسية وكانوا أكثر ثقة في تذكرهم لها. يشير الباحثون إلى أن التفاصيل المفاهيمية غالبًا ما تشكل جزءًا كبيرًا مما يتذكره الناس من القصة.
قد يكون تفضيل الذكريات المفاهيمية أكثر وضوحًا مع تقدم الأشخاص في العمر. تشير الأبحاث إلى أنه مع تقدم العمر، يتذكر الناس المزيد من التفاصيل المفاهيمية بدلاً من الحسية، مما يبتعد عن التفاصيل الحسية الحية الخاصة بالأحداث نحو الذكريات التي “تفهم الجوهر” لما حدث.
الخاتمة
إذا كنت ترغب في أن يتذكر شخص ما القصة التي ترويها، فإن التفاصيل من أي نوع قد تساعد، خاصة إذا كانت ذات صلة وفريدة. معرفة كيفية تأثير أنواع السرد المختلفة على تذكر القصص يمكن أن يكون له تأثير كبير على التعليم والتواصل والسرد القصصي. يمكن أن يساعدنا في تحسين كيفية تقديم المعلومات لتكون أكثر تذكرًا وتأثيرًا على المدى الطويل.