المقدمة: تصريحات إيلون ماسك ولماذا تحولت الفكرة إلى سؤال عالمي
في الآونة الأخيرة، أعاد إيلون ماسك إشعال نقاش قديم بصياغة أكثر استفزازًا وجرأة، حين قال في أكثر من مناسبة إن العالم يتجه نحو مرحلة قد لا يعود فيها المال ضروريًا، لأن الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيجعلان معظم السلع والخدمات متاحة “مجانيًا” أو بتكلفة قريبة من الصفر. لم يكن حديثه مجرد مبالغة تسويقية عن زيادة الإنتاجية أو تخفيض أسعار السلع الاستهلاكية، بل كان إشارة إلى تحول عميق في منطق الاقتصاد نفسه: إذا لم يعد العمل البشري عنصرًا حاسمًا في الإنتاج، وإذا أصبحت الطاقة واللوجستيات والتصنيع مُدارة بواسطة أنظمة ذكية على نطاق واسع، فما الذي يبقى من فكرة الأجر، والتوظيف، والقدرة الشرائية، والمال كوسيط للحياة؟
أهمية هذه التصريحات لا تأتي فقط من شهرة قائلها، بل من أن ماسك يمثل نموذجًا للشخص الذي لا يكتفي بالتنظير، بل يعمل بالفعل على بنى تحتية تكنولوجية يمكن أن تدفع العالم في هذا الاتجاه: الأتمتة، الروبوتات، شبكات الطاقة، والذكاء الاصطناعي، وكلها عناصر تشكل العمود الفقري لما يُسمى “اقتصاد ما بعد الندرة” أو “ما بعد الشح”. ومع ذلك، فإن السؤال الأساسي الذي تفتحه هذه الرؤية ليس تقنيًا فقط. فهو سؤال اجتماعي وسياسي وأخلاقي في آن واحد: هل يعني هذا المستقبل تحرر البشر من العمل القسري والقلق الاقتصادي؟ أم يعني انتقال السيطرة من الأنظمة الديمقراطية إلى مالكي التكنولوجيا والبنية التحتية، بحيث يصبح البشر معتمدين على منظومة لا يملكون حق مساءلتها أو الخروج منها؟
من هنا، لا يصبح الحديث عن عالم بلا مال مجرد نقاش اقتصادي تجريدي، بل سؤالًا وجوديًا يمس معنى العمل، ودور الدولة، ومستقبل الدول القومية، وصعود الشركات العملاقة كقوى حاكمة بديلة. هذا المقال يحاول تفكيك هذا السيناريو خطوة بخطوة، ليس بوصفه حلمًا طوباويًا ولا كابوسًا حتميًا، بل كمسار محتمل تتشكل ملامحه بالفعل أمام أعيننا، وتتنازع حوله مصالح، وأفكار، ورؤى متضاربة.
منطق ما بعد الندرة: كيف يمكن أن يصبح المال بلا معنى؟
المال، في جوهره، ليس قيمة سحرية مستقلة عن الواقع، بل هو أداة اجتماعية لتنظيم الندرة. عندما تكون الموارد محدودة، يحتاج المجتمع إلى وسيلة تحدد من يحصل على ماذا، ومتى، وبأي ثمن. عبر التاريخ، تغيرت هذه الوسيلة من المقايضة إلى العملات المعدنية، ثم إلى النقود الورقية، ثم إلى الأنظمة المالية المعقدة، لكن الهدف ظل واحدًا: إدارة النقص وتقليل الفوضى في توزيع الموارد.
الفكرة التي يستند إليها دعاة “ما بعد الندرة” هي أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات قد يغيران معادلة الندرة جذريًا، عبر نقل الإنتاج من كونه معتمدًا على العمل البشري إلى كونه معتمدًا على أنظمة آلية قادرة على العمل دون توقف، دون تعب، وبقدرة على تحسين عملياتها ذاتيًا. إذا أصبحت الزراعة تُدار بروبوتات دقيقة، والمصانع تعمل بآلات ذكية، والخدمات اللوجستية تُنظمها أنظمة تنبؤية، فإن تكلفة إنتاج السلع الأساسية قد تهبط بشكل كبير جدًا. وعندما تهبط التكلفة وتقترب من الصفر في كثير من المجالات، يبدأ المال بفقدان وظيفته كأداة توزيع، لأن “ما كان نادرًا” يصبح متوفرًا بكثرة، ولأن الصراع على الموارد الأساسية يقل أو يتغير شكله.
لكن الاقتراب من الصفر لا يعني الصفر الحقيقي. هناك دائمًا حدود فيزيائية: الطاقة، المعادن النادرة، الأرض، المساحة، والزمن. ومع ذلك، حتى لو لم تختف الندرة كليًا، فإن تراجعها في الأساسيات كفيل بإعادة تشكيل المجتمعات. في تلك الحالة، يصبح السؤال ليس فقط من يملك المال، بل من يملك البنية التحتية التي تنتج وتوزع، ومن يضع القواعد التي تحدد الوصول إلى هذا الإنتاج.
لماذا لا يحدث هذا بين ليلة وضحاها؟ بطء العالم المادي أمام سرعة البرمجيات
من السهل أن ننبهر بوتيرة تطور الذكاء الاصطناعي لأن البرمجيات تتطور بسرعة مذهلة، لكن العالم الذي نعيش فيه ليس برنامجًا يمكن تحديثه كل أسبوع. الإنتاج الحقيقي يحدث في عالم مادي يحتاج إلى مصانع، وموانئ، وشبكات كهرباء، وسلاسل توريد، وبنية تحتية للنقل، وكل ذلك بطيء ومكلف ومعقد. حتى لو امتلكنا نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على التخطيط والتصميم، فإن تحويل هذا التخطيط إلى واقع يتطلب وقتًا وتوافقًا سياسيًا واستثمارات ضخمة.
فوق ذلك، المجتمع البشري نفسه ليس “نظام تشغيل” يتغير بقرار. القيم، والهويات، وأنماط الحياة، وفكرة أن الإنسان يعرّف نفسه من خلال عمله، كلها عناصر متجذرة بعمق. لذلك، فإن أخطر مرحلة ليست مرحلة الوفرة، بل مرحلة الانتقال التي يفقد فيها الناس وظائفهم قبل أن تظهر فوائد الوفرة. في هذه المرحلة، يتسع الفرق بين من يملك التكنولوجيا ومن يعتمد عليها، وتزداد احتمالات الاضطرابات الاجتماعية.
المرحلة الأخطر: اضطراب دون وفرة، وفقدان وظائف قبل ظهور البدائل
السيناريو الأكثر واقعية ليس أن الذكاء الاصطناعي سيجعل كل شيء مجانيًا سريعًا، بل أن الذكاء الاصطناعي سيجعل الكثير من الوظائف غير ضرورية اقتصاديًا قبل أن يصبح النظام قادرًا على توفير بدائل عادلة ومستقرة. وهذا يخلق ما يمكن وصفه بمرحلة “الصدمة”: سوق عمل يتقلص، مهارات تصبح قديمة بسرعة، وفئات واسعة تشعر أنها تُستبدل دون أن تُعوض.
في هذه المرحلة، لا يكون الصراع على الموارد هو المشكلة الوحيدة، بل الصراع على الكرامة، والمعنى، والهوية. عندما يرتبط احترام الذات بمفهوم العمل والإنتاج، يصبح فقدان الوظيفة أزمة نفسية واجتماعية، وليس مجرد أزمة دخل. لذلك، قد يكون رد الفعل على الأتمتة عنيفًا حتى لو وعدت بالوفرة لاحقًا.
هل هذا شيوعية جديدة؟ التشابه في الشكل والاختلاف في المصدر
كثيرون يقارنون “عالمًا بلا مال” بالشيوعية. ومن حيث المظهر العام، يوجد تشابه: تراجع السوق، توزيع الموارد، وتضاؤل دور الأجر. لكن الفرق الأساسي يكمن في السبب. الشيوعية التاريخية حاولت تغيير المجتمع سياسيًا في عالم ما زالت فيه الندرة قائمة، واعتمدت على إدارة مركزية كثيرًا ما انتهت إلى بيروقراطية وقمع. أما سيناريو ما بعد الندرة فيفترض أن التكنولوجيا نفسها تزيل جزءًا كبيرًا من الندرة، فتجعل توزيع الأساسيات أقل توترًا من حيث الموارد.
مع ذلك، هذا لا يعني أن النتيجة ستكون عادلة أو إنسانية تلقائيًا. لأن إزالة الندرة تقنيًا لا تعني إزالة الصراع على السلطة. إذا كانت البنية التحتية التي تنتج وتوزع مملوكة ومتحكمًا بها من طرف ضيق، فإن المجتمع قد ينتقل من رأسمالية السوق إلى “إقطاعية رقمية”، حيث يصبح الوصول إلى أساسيات الحياة مشروطًا بقواعد لا يشارك الناس في صياغتها.
هل يمكن أن يتحول هذا إلى عبودية ناعمة؟ عندما يصبح الوصول مشروطًا
العبودية في صورتها التقليدية كانت تعتمد على الإكراه الجسدي، لكن الأنظمة الحديثة يمكن أن تنتج أشكالًا أكثر نعومة وأشد رسوخًا من التبعية. إذا أصبحت حياة البشر معتمدة على أنظمة إنتاج وتوزيع ذكية، وإذا لم يكن لديهم بديل خارج هذه الأنظمة، فإن من يملك حق التحكم في الوصول يملك سلطة غير مسبوقة.
هنا يصبح السؤال: هل الحصول على الغذاء والسكن والطاقة حق غير قابل للإلغاء؟ أم أنه امتياز يمكن سحبه؟ إذا كان الوصول قابلًا للمنع أو التقييد أو المقايضة السياسية، فإننا أمام شكل من أشكال السيطرة قد لا يُسمى عبودية في القوانين، لكنه يحقق جوهرها: الاعتماد الكامل وانعدام القدرة على الرفض.
المشكلة لا تنحصر في نوايا من يتحكم بالنظام، بل في بنية النظام نفسها. فالأنظمة التي تدار بالخوارزميات قد تُبرر قراراتها تحت عنوان “تحسين الكفاءة”، بينما تكون عمليًا وسيلة لإعادة إنتاج الهرمية الاجتماعية بأدوات جديدة.
سؤال المعنى: لماذا قد يقاوم البشر حتى مستقبلًا يوفر لهم كل شيء؟
في النقاشات السطحية، يظن البعض أن الناس سيقبلون بأي نظام طالما يوفر لهم الطعام والسكن. لكن التجربة البشرية تقول شيئًا آخر: البشر لا يعيشون فقط من أجل البقاء، بل من أجل المكانة والهوية والمعنى. العمل ليس مجرد وسيلة دخل، بل هو أيضًا إطار يحدد الدور الاجتماعي، يخلق الإحساس بالإنجاز، ويمنح شعورًا بأن الفرد مفيد ومؤثر.
لذلك، فإن أي نظام يزيل العمل من مركز الحياة دون أن يوفر بديلًا معنويًا وثقافيًا قد يخلق فراغًا خطيرًا. وقد تُترجم مقاومة هذا النظام إلى صراع سياسي أو ثقافي، حتى لو كان النظام يوفر رفاهية مادية.
لماذا تتنبأ أفلام الخيال العلمي بعالم تحكمه الشركات لا الحكومات؟
كثير من أفلام وأعمال الخيال العلمي تقدم عالمًا تتراجع فيه الدول، بينما تسيطر شركات عملاقة على المدينة والموارد والسكان. هذه الصورة ليست مجرد حبكة درامية، بل قراءة متطرفة لاتجاهات موجودة بالفعل. الشركات بطبيعتها غير مرتبطة بحدود، سريعة الحركة، وتستطيع الاستثمار في التكنولوجيا قبل الحكومات. وفي عالم تصبح فيه السيطرة على الخوادم والطاقة والشبكات أهم من السيطرة على الأرض، تتفوق الشركات لأنها تدير البنية التحتية مباشرة.
إذا كان الذكاء الاصطناعي هو المحرك الجديد للقوة، فإن من يملك القدرة على تشغيله وتوسيعه يملك النفوذ. وإذا بقيت هذه القدرة محصورة في القطاع الخاص، فإن الدولة قد تتحول إلى جهة تنظيمية ضعيفة تتبع القوى التي تملك البنية التحتية، لا العكس. وهنا تتجسد صورة “السيادة الخاصة” التي طالما صورتها أعمال الخيال العلمي.
هل تفقد الدول معناها؟ حدود الدولة الحديثة عندما يضعف المال والعمل
الدولة الحديثة تقوم على مزيج من السيطرة على الأرض، وإدارة السكان، واحتكار العنف، والتحكم بالنظام المالي والضريبي. إذا ضعف دور المال، وتراجع العمل كقاعدة اجتماعية، فإن الدولة تفقد جزءًا كبيرًا من أدواتها الاقتصادية. لكنها قد تبقى قوية أمنيًا وثقافيًا، وقد تتحول من دولة تدير اقتصادًا إلى دولة تدير “وصولًا” وحقوقًا وخدمات.
ومع ذلك، فكرة اختفاء الدول بالكامل ليست واقعية في المدى المنظور. لأن الأمن، والنزاعات، والاختلافات الثقافية، ومشكلات الموارد المحدودة، ستظل قائمة. لكن ما قد يتغير هو أن الدولة لن تكون اللاعب الاقتصادي الأهم، بل ستنافسها كيانات عابرة للحدود تملك تقنيات الإنتاج والتوزيع.
لماذا قد يدفع بعض الأثرياء بهذا الاتجاه رغم أن المال قد يفقد قيمته؟
يظن كثيرون أن الأثرياء سيعارضون أي عالم يقل فيه دور المال، لكن هذا يفترض أن المال هو هدفهم النهائي. غالبًا، المال بالنسبة للنخب الكبرى ليس هدفًا بل وسيلة للوصول إلى النفوذ، والتأثير، وبناء مشاريع ضخمة، وترك أثر تاريخي. في عالم تصبح فيه البنية التحتية والإنتاج الآلي أهم من النقد، ينتقل مركز الثقل من المال كعملة إلى السيطرة على الأنظمة.
لذلك، يمكن لنخبة معينة أن ترى في “الوفرة المدارة” طريقًا للاستقرار وتجنب الانفجار الاجتماعي الناتج عن بطالة واسعة. من منظور إدارة المخاطر، قد يبدو تقديم حد أدنى من الرفاه للجميع وسيلة لمنع الفوضى، خاصة إذا كان البديل هو اضطرابات قد تهدد الملكيات والأنظمة نفسها.
الزمن المتوقع: متى يمكن أن نقترب من هذا العالم؟
ليس هناك تاريخ واحد يمكن الاتفاق عليه، لأن الحديث عن “عالم بلا مال” هو حديث عن مسار طويل وليس حدثًا مفردًا. ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن العقدين القادمين قد يشهدان تسارعًا في استبدال العمل المعرفي والروتيني، وأن مرحلة اضطراب سوق العمل قد تسبق بسنوات طويلة مرحلة وفرة ملموسة. أما الأتمتة الواسعة للزراعة والصناعة والبناء والخدمات الأساسية، فهي تعتمد على تقدم الروبوتات والطاقة والبنية التحتية، وهذا عادة يحتاج عقودًا.
لذلك، فإن أكثر سيناريوهات “ما بعد الندرة” واقعية هو أن تظهر بشكل جزئي وغير متساوٍ بين البلدان: مناطق قد تصل إلى وفرة في بعض الأساسيات قبل غيرها، بينما تبقى مناطق أخرى عالقة في صراعات الموارد. أما عالم تصبح فيه الأموال عديمة المعنى على مستوى عالمي، فهو احتمال في النصف الثاني من هذا القرن إن تحقق، وهو ليس مضمونًا لأن العوامل السياسية قد تعيد إنتاج الندرة عبر الاحتكار أو النزاعات.
الخاتمة: المستقبل لا يصنعه الذكاء الاصطناعي وحده، بل من يضع قواعده
الذكاء الاصطناعي والروبوتات قد يدفعان البشرية نحو وفرة غير مسبوقة، وقد يجعلان كثيرًا من أساسيات الحياة أرخص وأسهل من أي وقت مضى. لكن هذا التحول لا يقرر وحده نوع المجتمع الذي سنعيش فيه. التكنولوجيا تفتح الباب، لكنها لا تحدد من يمر أولًا ولا كيف تُكتب القوانين داخل العالم الجديد.
إذا لم تُصمم أنظمة الإنتاج والتوزيع القادمة على أساس حقوق واضحة وغير قابلة للإلغاء، وإذا لم يكن هناك إشراف شفاف ومشاركة مجتمعية في قواعد الوصول، فقد يتحول “عالم بلا مال” إلى عالم بلا حرية حقيقية، لأن من يتحكم بالنظام سيصبح أقوى من أي حكومة. أما إذا نجحت المجتمعات في تحويل البنية التحتية الذكية إلى ملكية عامة أو إلى نظام يخضع للمساءلة، فقد يصبح هذا المستقبل أحد أكبر أشكال التحرر في تاريخ الإنسان.
السؤال النهائي ليس ما إذا كان المال سيختفي، بل ما إذا كانت السلطة ستصبح أكثر عدالة أو أكثر تركّزًا. وفي عالم تحكمه الخوارزميات، تصبح المعركة ليست على العملات، بل على القواعد. من يكتب القاعدة، يكتب المستقبل.
بقلم أبو آدم الكسواني