تخطى إلى المحتوى

الكشف عن فنون الصخور في صحراء النفود: إرث ثقافي وحضاري

في إطار مشروع “العربية الخضراء”، اكتشف فريق دولي من علماء الآثار، بالتنسيق مع هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة السعودية، مجموعة من النقوش الصخرية المذهلة في شمال المملكة العربية السعودية. تضم هذه النقوش ما يزيد عن 176 نقشًا فرديًا موزعة على ثلاث مواقع غير مستكشفة سابقًا، وهي جبل عرنان، جبل مليحة، وجبل مصمة.

فنون الصخور في سياقها الطبيعي

تمتاز هذه النقوش بتفاصيلها البديعة وحجمها الكبير، حيث تصل بعض الأشكال إلى 3 أمتار طولاً وأكثر من 2 متر ارتفاعًا. تشتمل النقوش على صور تفصيلية لحيوانات مثل الجمال، والوعول، والخيل، والغزلان، والأوروك، مما يعكس التنوع البيئي الذي كان موجودًا في تلك الفترة.

يعود تاريخ هذه النقوش إلى ما بين 12,800 و11,400 سنة، وهي فترة شهدت إعادة ظهور البحيرات والأنهار المؤقتة بعد قرون من الجفاف الشديد. أظهرت تحاليل الرسوبيات وجود هذه المياه القديمة، والتي كانت دعامة أساسية لمجموعات البشر الذين استوطنوا هذه البيئة القاسية.

الأهمية الثقافية والتاريخية للنقوش

صرحت د. ماريا جوانين من معهد ماكس بلانك لعلم الإنسان الجيولوجي بأن هذه النقوش ليست مجرد فن صخري بل هي تعبير عن الهوية الثقافية وبيان للوجود والوصول. وأشارت إلى أن هذه النقوش الضخمة ربما كانت تعبر عن حقوق الأرض والذاكرة بين الأجيال.

يجد الباحثون في هذه النقوش دلائل على الروابط الحضارية بين سكان هذه المنطقة وسكان منطقة المشرق، حيث تم العثور على قطع أثرية مثل نقاط الحجر ذات الطراز الكهيامي وحبات الصدف الأخضر، مما يشير إلى اتصالات طويلة المدى مع سكان العصر الحجري الحديث في منطقة الهلال الخصيب.

التحديات والجهود المبذولة في النقوش

تختلف هذه المواقع عن المواقع المعروفة سابقًا، حيث كانت النقوش محفورة على وجوه منحدرات شاهقة تصل إلى 39 مترًا، في مواقع بارزة بصريًا. كان على الفنانين القدماء تسلق هذه المنحدرات والعمل في ظروف صعبة، مما يعكس الجهد الكبير والأهمية الرمزية لهذه النقوش.

إن المجهود المبذول في إنشاء هذه النقوش يوضح مدى التعلق العاطفي والثقافي لسكان تلك الفترة بأرضهم وبيئتهم، وكيف استطاعوا تأمين سبل العيش في بيئة صحراوية قاسية.

الخاتمة

يعد اكتشاف النقوش الصخرية في صحراء النفود إنجازًا أثريًا بالغ الأهمية، حيث يسلط الضوء على إبداع وتحديات المجتمعات البشرية التي عاشت في بيئة قاسية. يوضح هذا الاكتشاف مدى التكيف البشري مع التغيرات المناخية والبيئية في تلك الفترة، ويعزز من فهمنا للعلاقات الثقافية والتاريخية بين المجتمعات القديمة. يبقى هذا العمل جزءًا من جهود أكبر لفهم تاريخ البشرية والتغيرات البيئية التي شكلت مسار الحضارات.