في خطوة علمية غير مسبوقة، تمكن العلماء من التقاط صورة راديوية لثقبين أسودين يدوران حول بعضهما البعض داخل كوازار لامع يُعرف باسم OJ287، الذي يقع على بعد حوالي 5 مليارات سنة ضوئية في كوكبة السرطان. يأتي هذا الاكتشاف ليؤكد نظريات علمية كانت محط تساؤلات لعقود عديدة.
الكوازارات وثقوبها السوداء
الكوازارات هي من بين أكثر الأجسام سطوعًا في الكون، وهي مناطق تقع في قلب المجرات حيث تتسبب الظروف العنيفة حول الثقوب السوداء الهائلة في تسخين الغاز والغبار ليظهر بشكل مضيء. وقد تمكن العلماء سابقًا من تصوير ثقوب سوداء فردية، مثل تلك الموجودة في مجرتنا درب التبانة وفي مجرة M87، لكنهم لم يتمكنوا من تصوير ثقبين يدوران معًا.
أثبتت الاكتشافات الحديثة أن OJ287 هو أحد تلك الكوازارات اللامعة التي يمكن رصدها حتى بواسطة علماء الفلك الهواة باستخدام التلسكوبات الخاصة. ولكن، كان من المستحيل سابقًا التقاط صورة لثقبين أسودين يدوران حول بعضهما البعض بسبب عدم قدرة التلسكوبات على التمييز بينهما كنقطة ضوئية واحدة.
أهمية الاكتشاف الجديد
يعتبر هذا الاكتشاف الجديد بمثابة دليل واضح على وجود ثقوب سوداء ثنائية، وهي عبارة عن عملاقين جاذبيين مرتبطين معًا. تم تأكيد هذه النظرية من خلال ملاحظات راديوية جمعت بين التلسكوبات الأرضية والقمر الصناعي الروسي RadioAstron، الذي عمل من عام 2011 إلى 2019. هذا القمر الصناعي منح العلماء رؤية حادة بشكل كبير تفوق الصور البصرية التقليدية بمئة ألف مرة.
وأوضح الباحثون أن الثقوب السوداء بحد ذاتها غير مرئية لأنها سوداء تمامًا، لكن يمكن اكتشافها عبر الجسيمات النفاثة أو الغاز المتوهج المحيط بها. كما أظهرت الصور الجديدة النفاثة من الثقب الأسود الأصغر وهي ملتوية مثل خرطوم حديقة دوار، مما يعكس حركته السريعة حول الثقب الأكبر.
مراقبة الكوازار OJ287 عبر الزمن
لقد تم مراقبة الكوازار OJ287 لأكثر من قرن من الزمن، حيث تضمنت الصور الفوتوغرافية المبكرة من أواخر القرن التاسع عشر هذه المنطقة قبل أن يتمكن العلماء حتى من تصور وجود ثقوب سوداء أو كوازارات.
بدأ الكوازار في جذب الانتباه في عام 1982 عندما لاحظ عالم الفلك الفنلندي أيمو سيلانبا أن سطوعه يرتفع وينخفض بانتظام كل 12 عامًا، مما يشير إلى احتمال وجود ثقبين أسودين يدوران داخله. ومنذ ذلك الحين، قام مئات العلماء بمراقبة OJ287 لاختبار النظرية والبحث عن دليل قاطع على أن الثقبين الأسودين يشتركان حقًا في نفس القلب المجري.
الخاتمة
يعد هذا الاكتشاف خطوة هامة في علم الفلك، حيث يوفر أوضح الأدلة حتى الآن على وجود الثقوب السوداء الثنائية، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الكون والظواهر الكونية. ومع استمرار العلماء في مراقبة هذا النظام، ستتاح لهم فرصة نادرة لمتابعة تطور الحركة في الوقت الفعلي، مما قد يكشف عن أسرار جديدة تتعلق بالثقوب السوداء والكوازارات.