قصة عن القوة والحجم وحدود السيطرة
السؤال الذي طرحه البشر دائماً
منذ أن عرف الإنسان الأعاصير القمعية، وهو يطرح السؤال نفسه مراراً وتكراراً. كيف يمكن لشيء مصنوع فقط من الهواء أن يدمّر البيوت، ويرفع السيارات في السماء، ثم يختفي وكأن شيئاً لم يكن؟ ومع تطور الإنسان وبنائه للمدن والآلات والأسلحة، تغيّر السؤال قليلاً. إذا كنا نستطيع شطر الذرّة وإرسال مركبات إلى الفضاء، فلماذا لا نستطيع إيقاف إعصار؟
هذا السؤال ليس غبياً. إنه نابع من الفضول والخوف، وكلاهما شعوران طبيعيان. الإعصار يبدو رفيعاً وهشّاً، كحبل ملتف في الهواء. وبالمقارنة مع الجبال أو المحيطات أو الزلازل، يبدو ضعيفاً تقريباً. يشعر كثير من الناس أنه لو استخدمنا قوة كافية أو ذكاءً كافياً أو تخطيطاً أفضل، لاستطعنا إنهاءه.
على مر السنين، تخيّل الناس حلولاً كثيرة. بعضهم تخيّل استخدام القنابل. آخرون تخيّلوا آلات ضخمة لتحريك الهواء. وهناك من تخيّل غابات تُزرع كحواجز، أو تلالاً صناعية لكسر الرياح. بعضهم يعتقد أن التغير المناخي قد يجعل الأعاصير تختفي، بينما يخشى آخرون أن يجعلها أكثر تدميراً.
لفهم سبب فشل كل هذه الأفكار، يجب أولاً أن نفهم شيئاً أساسياً للغاية. الإعصار ليس كما يبدو.
ما هو الإعصار القمعي في حقيقته
الإعصار القمعي ليس شيئاً مادياً. ليس جسماً. وليس كياناً مستقلاً.
الإعصار هو نمط في حركة الهواء.
ينشأ الإعصار من نظام أكبر بكثير، غالباً عاصفة رعدية قوية تمتد عالياً في السماء. تسحب هذه العاصفة الهواء الدافئ من سطح الأرض وتدفعه إلى الأعلى حيث يوجد هواء أبرد. تهب الرياح بسرعات واتجاهات مختلفة على ارتفاعات مختلفة، وهذا يخلق الدوران. وعندما يصبح هذا الدوران قوياً ومركزاً بالقرب من الأرض، نرى الإعصار.
القمع الذي نراه ليس سوى النتيجة النهائية لهذه العملية. يشبه الأمر لهب الشمعة. يبدو اللهب كأنه شيء قائم بذاته، لكنه في الحقيقة مجرد طاقة مرئية. إذا أطفأت اللهب بينما لا يزال الغاز يتدفق، فسيعود فوراً. اللهب لم يكن المصدر، بل النظام الذي يغذيه.
وهنا يظهر السبب الأول لعجز البشر عن إيقاف الأعاصير. نحن نميل دائماً لمهاجمة القمع المرئي، لكن القمع ليس السبب، بل مجرد عرض.
فكرة القنابل ولماذا تتكرر دائماً
فكرة استخدام قنبلة لإيقاف إعصار هي من أقدم وأكثر الأفكار شيوعاً. يتخيّل الناس انفجاراً هائلاً داخل القمع يكسر الدوران ويمزّق الإعصار. بعضهم يتخيّل موجة صدم، وآخرون يتخيّلون قنبلة تفريغ تمتص الهواء، بل إن البعض يفكر حتى في الأسلحة النووية.
تبدو الفكرة قوية لأن الانفجارات قوية. نحن نعلم أن الانفجارات تدمّر المباني، فنفترض أنها أقوى من الرياح.
لكن الانفجارات والأعاصير تعمل بطرق مختلفة تماماً.
الانفجار يطلق طاقة هائلة في وقت قصير جداً. هو عنيف لكنه لحظي. أما الإعصار فيتغذى باستمرار من الهواء المتدفق إلى العاصفة. حتى أكبر انفجار لا يستمر سوى لحظة، بينما يمكن للعاصفة التي أنشأت الإعصار أن تستمر لساعات.
حتى لو عطّلت القنبلة القمع لثانية واحدة، فإن العاصفة ستعيد تكوينه فوراً. سيعود الدوران أو سيتشكل إعصار جديد قريباً. النظام المغذّي للإعصار سيظل حياً.
والأسوأ من ذلك أن الانفجار يضيف حطاماً إلى الهواء. الأعاصير ليست خطيرة فقط بسبب سرعة الرياح، بل بسبب الأجسام الطائرة. الخشب والمعادن والزجاج تتحول إلى أسلحة. القنبلة لن تقلل الخطر، بل ستضاعفه.
حتى الانفجارات النووية لا تحل المشكلة. فهي لا تزيل الفروقات الحرارية ولا أنماط الرياح التي أنشأت العاصفة، بل تضيف حرارة يمكن للعواصف أحياناً أن تستفيد منها.
في النهاية، تفشل القنابل لأنها تحارب العَرَض بدلاً من النظام.
محاولة تجويع الإعصار من الهواء
بعد التفكير بعمق أكبر، يبتعد بعض الناس عن فكرة القنابل ويطرحون سؤالاً أذكى. الأعاصير تحتاج إلى هواء يتدفق إليها. ماذا لو استطعنا منع هذا الهواء أو إعادة توجيهه؟ ماذا لو عطّلنا مصدر الرياح حتى يضعف الإعصار ويموت؟
هذه الفكرة أقرب إلى الحقيقة. فالأعاصير تعتمد فعلاً على تدفق مستمر من الهواء الدافئ والرطب قرب سطح الأرض. من دونه، تضعف.
لكن هذا الهواء لا يأتي من مسار ضيق. بل يأتي من مساحة واسعة قد تمتد لعشرات الكيلومترات، ومن اتجاهات متعددة، وعلى ارتفاعات مختلفة.
الهواء ليس مثل الماء الذي يصطدم بجدار. لا يتراكم في مكان واحد. بل يمر فوق العوائق وحولها ومن فوقها. إذا منعت مساراً واحداً، سيجد غيره. وإذا أعدت توجيهه، فقد تخلق مناطق جديدة تتصادم فيها الرياح.
ومن المفارقات أن كثيراً من الأعاصير تتشكل تحديداً في أماكن التقاء التيارات الهوائية. هذه الحدود هي مصانع طبيعية للأعاصير. بمحاولة التحكم في الرياح، قد نخلق الظروف التي نحاول منعها.
هذه إحدى أكثر الحقائق إحباطاً في علم الطقس. التدخلات الصغيرة قد تؤدي إلى نتائج كبيرة وغير متوقعة.
الحرارة كسلاح ضد العواصف
فكرة أخرى تبدو ذكية هي استخدام الحرارة. يتخيّل البعض إنشاء تيارات حرارية صناعية تسحب الهواء إلى الأعلى وتربك العاصفة. أو تسخين الأرض على مسارات طويلة، أو استخدام آلات تخلق أعمدة هواء دافئ صاعد.
في البداية، يبدو هذا منطقياً. الأعاصير تعتمد على الهواء الصاعد، فإذا سيطرنا على هذا الصعود، ربما نسيطر على الإعصار.
لكن هنا تخوننا الحدس.
العواصف الرعدية تحب الحرارة. الحرارة هي وقودها. الهواء الدافئ الصاعد هو بالضبط ما تحتاجه لتقوى. إضافة الحرارة لا تربك العاصفة، بل تغذيها.
عندما تسخّن الأرض، تزيد عدم الاستقرار. تزيد الفرق بين الهواء الدافئ قرب السطح والهواء البارد في الأعلى. هذا الفرق هو ما يغذي العواصف القوية. وبدلاً من إضعاف النظام، فإنك تقوّيه.
محاولة إيقاف إعصار باستخدام الحرارة تشبه محاولة إطفاء حريق بإشعال أعواد ثقاب إضافية حوله على أمل أن يحترق في الاتجاه الخاطئ.
الطبيعة لا تُخدع بهذه السهولة.
الغابات كدروع ضد الرياح
يلاحظ كثير من الناس أمراً مثيراً. السهول المسطحة تشهد أعاصير كثيرة، بينما تبدو الغابات الكثيفة أكثر هدوءاً. وهذا يقود إلى فكرة أن الغابات يمكن أن تعمل كدروع طبيعية. فلو زرعنا ما يكفي من الأشجار، ربما نستطيع منع الأعاصير أو إضعافها قبل وصولها إلى المدن.
الغابات تؤثر فعلاً على الرياح قرب سطح الأرض. الأشجار تزيد الاحتكاك وتخلق اضطراباً في الهواء. ويمكنها تغيير سلوك الرياح في المستويات المنخفضة.
لكن الأعاصير لا تُتحكم بها فقط عند السطح. الدوران الذي يخلقها يمتد مئات أو آلاف الأمتار في الهواء. والرياح الأهم تكون أعلى بكثير من قمم الأشجار.
قد يكون ارتفاع الغابة ثلاثين متراً، بينما يصل ارتفاع العاصفة الرعدية إلى خمسة عشر كيلومتراً. الفارق في الحجم هائل.
تمر بعض الأعاصير عبر الغابات دون أن تضعف. بل إن بعضها يصبح أكثر فوضوية بسبب زيادة الاضطراب. الغابات ممتازة للكوكب، فهي تساعد في استقرار المناخ، وحماية التربة، ومنع الفيضانات. لكنها لا تزيل المكونات الجوية التي تخلق الأعاصير.
هي تغيّر شكل الدمار، لا وجود العاصفة.
التلال والجبال ووهم الحماية
يلاحظ الناس أيضاً أن الأعاصير أكثر شيوعاً في المناطق المسطحة مقارنة بالمناطق الجبلية. ومن هنا تنشأ فكرة أخرى. إذا كانت الجبال تقلل الأعاصير، فلماذا لا نبني تلالاً أو جبالاً صناعية لحماية المناطق المعرضة للخطر؟
تؤثر الجبال على الطقس، لكن ليس بطريقة حماية بسيطة. التلال الصغيرة لا توقف العواصف. فالهواء يمر فوقها بسهولة. بل إن التضاريس قد توجه الرياح عبر الوديان والممرات، ما يزيد سرعتها ودورانها.
بعض العواصف الشديدة تكون أقوى في المناطق الجبلية بسبب تركيز تدفق الهواء. بناء تلال في المكان الخطأ قد يزيد الخطر بدلاً من تقليله.
وللتأثير الحقيقي على العواصف المسببة للأعاصير، يجب أن تكون التضاريس ضخمة جداً، تمتد مئات الكيلومترات ويبلغ ارتفاعها مستويات هائلة. عندها لن نكون نحمي مدناً، بل نعيد تشكيل القارات.
خرافة أن الأعاصير لا تحدث في جنوب أوروبا
يعتقد كثير من الناس أن الأعاصير مشكلة أمريكية فقط، وأن جنوب أوروبا لا يشهد أعاصير. هذا الاعتقاد مريح، لكنه غير صحيح.
تحدث الأعاصير في جنوب أوروبا. تتشكل الزوابع المائية بكثرة في البحر المتوسط، وبعضها ينتقل إلى اليابسة ويتحول إلى أعاصير. شهدت إيطاليا واليونان وإسبانيا والبلقان وتركيا أعاصير مدمرة.
هي أقل تكراراً وأضعف في العادة من أعنف الأعاصير في الولايات المتحدة، لكنها موجودة. وغالباً ما يُستهان بالخطر بسبب قلة الوعي والتوثيق التاريخي.
الطبيعة لا تحترم الحدود ولا الافتراضات.
التغير المناخي وسؤال الأعاصير
عندما يدخل التغير المناخي في النقاش، ترتفع المشاعر. يأمل البعض أن يؤدي احترار الأرض إلى تقليل الأعاصير، بينما يخشى آخرون أن يجعلها لا تُقهر.
الحقيقة أكثر تعقيداً.
تحتاج الأعاصير إلى عنصرين رئيسيين. الطاقة، وقص الرياح. تأتي الطاقة من الهواء الدافئ والرطب، بينما يأتي قص الرياح من اختلاف سرعة واتجاه الرياح مع الارتفاع.
يزيد التغير المناخي الطاقة بوضوح. فالهواء الدافئ يحمل رطوبة أكثر، والرطوبة تعني عواصف أقوى. هذا الجانب مفهوم ومدعوم علمياً.
أما قص الرياح فهو أكثر تعقيداً. قد تضعف بعض أنماط الرياح واسعة النطاق في بعض المناطق بسبب تغير الفروقات الحرارية. وقد يقل ذلك من بعض أنواع العواصف.
لكن الأعاصير لا تحتاج ظروفاً مثالية، بل ظروفاً كافية. يزيد التغير المناخي عدد الأيام التي تتوفر فيها طاقة كافية مع قص رياح كافٍ. كما يغير أماكن وتوقيت حدوث هذه الظروف.
بدلاً من زيادة الأعاصير في كل مكان، نرى زيادة في عدم التوقع. تتغير المواسم. تزداد الأعاصير الليلية، وهي الأخطر لأن الناس نائمون. وتصبح التفشيات أكثر تجمّعاً.
التغير المناخي لا يزيل الأعاصير، بل يغيّر سلوكها ويزيد المخاطر بطرق خفية لكنها خطيرة.
السبب الحقيقي لعجز البشر عن السيطرة على الأعاصير
عند جمع كل هذه الأفكار معاً، تظهر حقيقة بسيطة.
يحاول البشر حل مشكلة الأعاصير محلياً، بينما تنشأ الأعاصير إقليمياً.
أدواتنا تعمل على مستوى المباني والآلات والمناظر الطبيعية الصغيرة. أما العواصف التي تنتج الأعاصير فتُدار بواسطة طبقات جوية بعمق آلاف الأمتار وأنظمة طقس تمتد مئات الكيلومترات.
الطاقة المستخدمة تأتي من الشمس ودوران الأرض. لا يستطيع البشر منافسة هذه الطاقة، بل يمكنهم فقط التكيف معها.
الطقس أيضاً نظام فوضوي. تغييرات صغيرة قد لا تؤثر، أو قد تؤدي إلى نتائج ضخمة وغير مقصودة. لا توجد طريقة آمنة لضبط عاصفة رعدية في الوقت الحقيقي.
هذا ليس فشلاً في الذكاء، بل إدراك للحدود.
ما الذي ينقذ الأرواح فعلاً
بما أن البشر لا يستطيعون إيقاف الأعاصير، فإنهم يفعلون شيئاً أكثر فاعلية بكثير. إنهم يستعدون.
أنظمة الإنذار المبكر تكشف العواصف قبل تشكل الأعاصير. الرادار يرى الدوران قبل أن يصل إلى الأرض. نماذج التنبؤ تتحسن كل عام. الملاجئ تنقذ الأرواح. المباني الأقوى تقلل الدمار. التعليم يساعد الناس على التصرف بسرعة.
هذه الحلول هادئة. غير درامية. لا تبدو كأن البشر يحاربون السماء.
لكنها تنجح.
الحقيقة النهائية
لا يمكن إيقاف الأعاصير لأنها ليست أعداء يمكن مهاجمتهم. إنها تعبير عن كيفية انتقال الطاقة في الغلاف الجوي من مكان إلى آخر.
تفشل الغابات والتلال والقنابل والحرارة والآلات والجدران للسبب نفسه. كلها تحاول السيطرة على نظام عالمي بأدوات محلية.
المستقبل ليس في إيقاف الأعاصير، بل في فهمها مبكراً، واحترام قوتها، وبناء عالم قادر على البقاء معها.
هذا ليس استسلاماً.
إنه حكمة.
بقلم أبو آدم الكسواني