في ليلة من ليالي مارس 2023، انطلقت أنثى خفاش الأكبري، التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات، في السماء الإسبانية. لم تكن تعلم أن مغامرتها الليلية ستصبح موضوعًا مثيرًا لأحلام العلماء. حيث تمكن العلماء من تسجيل سلوك الخفاش باستخدام تقنية متقدمة، مما أتاح لهم فرصة إعادة بناء مغامرة مذهلة ذات قيمة علمية كبيرة.
التقنية في خدمة الأبحاث
الخفاش الأكبري (Nyctalus lasiopterus) تم تجهيزه بجهاز تسجيل عالي التقنية لرصد سلوكه أثناء الطيران. ومن خلال هذه التسجيلات، تمكن الباحثون من إعادة بناء مشهد دراماتيكي حيث طارد الخفاش طائرًا مهاجرًا، وهو طائر الروبن الأوروبي، وتمكن من اصطياده وأكله في الجو أثناء استخدامه لتقنية تحديد المواقع بالصدى للتنقل.
قالت العالمة لورا سيدشولت، من جامعة آرهوس في الدنمارك، وأحد المؤلفين المشاركين في الدراسة، “كان هناك ضجيج وحركة كثيرة وصوت تحديد المواقع بالصدى، وكنت أعتقد أنني لم أسمع بهذا من قبل في أي تسجيل”.
سلوكيات الخفاش الأكبري
يعد الخفاش الأكبري من أكبر وأندر أنواع الخفافيش في أوروبا، وعادةً ما يتغذى على الحشرات الكبيرة مثل الخنافس والعث. لكن الأبحاث السابقة كشفت عن أدلة على تناول الخفاش الأكبري للطيور المغردة خلال فترات هجرة الربيع والخريف، عندما تكون الطيور نشطة ليلاً.
العلماء في محطة دونيانا البيولوجية التابعة للمجلس الوطني الإسباني للأبحاث قاموا بزرع شرائح دقيقة في الخفافيش المحلية وتزويد 14 منها بأجهزة تسجيل متطورة، مما مكّنهم من جمع تقارير مذهلة عن مغامرات هذه الثدييات ذات الفراء.
التسجيلات والتحليل العلمي
من خلال التسجيلات، أعاد الباحثون بناء رحلة رائعة: حلقت أنثى الخفاش إلى ارتفاع يصل إلى ثلاثة أرباع الميل بحثًا عن الفريسة. ثم استهدفت طائرًا مغردًا مهاجرًا واشتد الصراع بينهما، وأثناء اقتراب الخفاش من الأرض، أطلق الطائر سلسلة من الصرخات قبل أن يصمت بشكل مريب.
ولمدة 23 دقيقة، كان صوت تحديد المواقع بالصدى للخفاش يتخلله أصوات المضغ والطحن بينما كان الخفاش لا يزال يطير. وقد أظهرت التحاليل أن هذه الأصوات تتناسب مع صوت طائر الروبن الأوروبي.
تأثيرات الاكتشاف العلمي
أثار هذا الاكتشاف اهتمام العلماء، حيث أن سلوك خفاش الأكبري في اصطياد الطيور المغردة يبرز مرونة السلوك في استغلال الموارد المتاحة. وقد أعربت العالمة ريلي برنارد، من جامعة وايومنغ، عن إعجابها بهذا الاكتشاف، مشيرة إلى أن الخفافيش في أمريكا الشمالية أصغر من أن تحمل مثل هذه الأجهزة.
الخاتمة
يمثل هذا البحث تقدمًا كبيرًا في فهم سلوكيات الخفافيش الأكبري، حيث أتاح استخدام التكنولوجيا المتقدمة للعلماء فرصة لاختراق عالمها الخفي. إن هذه الدراسة تفتح آفاقًا جديدة لفهم كيفية تفاعل الخفافيش مع بيئتها واستغلالها للموارد المتاحة، مما يشكل خطوة مهمة في مجال الأبحاث البيولوجية.