في دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد بالتعاون مع مؤسسات أخرى، تم التحقيق في كيفية تأثير الشيخوخة على النظام الملاحي الداخلي للدماغ، والمعروف باسم القشرة الشمية الوسطى. وقد أظهرت النتائج أن هذا الجزء من الدماغ، الذي يُشبّه أحيانًا بنظام GPS داخلي، يصبح أقل فعالية مع التقدم في العمر، مما يؤثر على قدرة الكائنات على تذكر المواقع والتوجيه في الأماكن الجديدة.
أهمية القشرة الشمية الوسطى في الدماغ
القشرة الشمية الوسطى تعد جزءًا أساسيًا من نظام الملاحة في الدماغ. تحتوي هذه المنطقة على خلايا متنوعة تتبع معلومات مختلفة مثل سرعة الكائن واتجاه رأسه وكذلك أبعاد الحدود للمكان. هذه الخلايا، المعروفة بخلايا الشبكة، تقوم بإنشاء خريطة للمكان تشبه نظام الإحداثيات الجغرافية.
في الدراسة، قام الباحثون بتسجيل نشاط الدماغ لفئران موزعة على ثلاث فئات عمرية: الفئران الشابة (حوالي 3 أشهر)، الفئران متوسطة العمر (حوالي 13 شهرًا)، والفئران المسنة (حوالي 22 شهرًا). لوحظ أن الفئران الأكبر سنًا كانت تعاني من صعوبة في التنقل في بيئات جديدة، بينما الفئران الشابة ومتوسطة العمر كانت لديها قدرة أفضل على التكيف والتعلم.
تجارب الملاحة العقلية في الفئران
خلال التجارب، تم وضع الفئران في بيئات افتراضية حيث كان عليها البحث عن مكافآت مخفية. على مدار ستة أيام، تعلمت الفئران مواقع المكافآت وتوقفت فقط عند المواقع الصحيحة للحصول على المكافأة. ومع ذلك، عندما تم تغيير المسارات بشكل عشوائي بين مسارين مختلفين، أظهرت الفئران المسنة ارتباكًا واضحًا، حيث لم تتمكن من تحديد المسار الذي كانت عليه بوضوح.
هذا الارتباك كان ينعكس أيضًا في نشاط خلايا الشبكة، حيث كانت تطلق إشارات بشكل غير منتظم عند تبديل المسارات. أما الفئران الشابة ومتوسطة العمر، فقد أظهرت استجابة أفضل حيث تكيفت خلايا الشبكة بسرعة مع المسار الجديد.
التنوع في الذاكرة المكانية لدى الفئران المسنة
رغم أن الفئران الشابة ومتوسطة العمر أظهرت أداءً متجانسًا داخل مجموعاتها العمرية، إلا أن الفئران الأكبر سنًا أظهرت تنوعًا في أداء الذاكرة المكانية. كان هناك فأر ذكر مسن تميز بأداء استثنائي، حيث استطاع تذكر مواقع المكافآت بشكل أفضل من الفئران الشابة ومتوسطة العمر.
هذا الأداء المتميز للفأر المسن شجع الباحثين على البحث عن الاختلافات الجينية التي قد تفسر هذا التنوع في الأداء. من خلال تحليل RNA للفئران الشابة والقديمة، تم اكتشاف 61 جينًا تظهر بشكل أكثر في الفئران ذات النشاط غير المستقر لخلايا الشبكة، مما قد يساهم في فهم أسباب تدهور الذاكرة المكانية مع الشيخوخة.
الخاتمة
تسلط هذه الدراسة الضوء على التغيرات التي تحدث في نظام الملاحة العقلي في الدماغ مع الشيخوخة، وكيف أن هذه التغيرات قد تؤدي إلى صعوبة في التكيف مع البيئات الجديدة. ومع ذلك، فإن التباين في الأداء بين الأفراد يشير إلى أن فقدان الذاكرة ليس حتميًا مع التقدم في العمر، مما يفتح الباب لاستكشاف العوامل الجينية والبيئية التي قد تساهم في الحفاظ على الذاكرة المكانية مع التقدم في السن.