تخطى إلى المحتوى

ما معنى “الطاقة الخضراء” حقًا؟

بين الواقع الفيزيائي، أوهام البدائل، ومستقبل الطاقة لدى البشرية

السؤال الذي نطرحه دائمًا بطريقة خاطئة

في كل مرحلة من تاريخ الإنسان، يعود السؤال نفسه بصيغة جديدة: كيف ننتج الطاقة دون أن ندمّر العالم الذي نعيش فيه؟ خلال العقود الأخيرة، اختُصر هذا السؤال في كلمة واحدة فقط: “خضراء”. أصبحت الطاقة الخضراء شعارًا حاضرًا في فواتير الكهرباء، وفي وسائل النقل، وفي السياسات الحكومية، وفي الخطابات البيئية. لكن هذه الكلمة، لكثرة استخدامها، فقدت معناها العلمي، وأصبحت في كثير من الأحيان توصيفًا سياسيًا أو محاسبيًا أكثر منها توصيفًا فيزيائيًا.

كثير من مصادر الطاقة تُوصَف اليوم بأنها خضراء، لا لأنها لا تُنتج تلوثًا، بل لأنها أقل سوءًا من بدائل أخرى، أو لأنها تُدرج ضمن تصنيفات تنظيمية معينة. لفهم ما هو مستدام فعلاً، وما هو مجرد حل انتقالي، وما هو مستحيل من الأساس، يجب أن نبتعد عن الشعارات ونعود إلى الفيزياء: كيف تُنتَج الطاقة، من أين تأتي، وكيف تتحول، وكيف تضيع.

عند النظر بعمق، يتضح نمط صارم لا يتغير: بعض أفكار الطاقة تنجح لأنها تتماشى مع قوانين الطبيعة، وأخرى تفشل ليس لقلة الإبداع، بل لأنها تصطدم بحدود لا يمكن تجاوزها، مهما تقدمنا تقنيًا.

ما هي الطاقة فعلًا ولماذا لا تهتم الفيزياء بالتسميات

الطاقة ليست مادة، بل خاصية: القدرة على إحداث شغل أو تغيير. يمكن أن تظهر على شكل حركة، حرارة، ضوء، روابط كيميائية، أو حتى كتلة. لكنها لا تُخلق من العدم ولا تختفي. هذا ليس رأيًا علميًا قابلًا للنقاش، بل أحد أكثر القوانين اختبارًا في تاريخ العلم.

جميع تقنيات توليد الكهرباء التي استخدمتها البشرية تخضع لهذا القانون. ما يختلف فقط هو مصدر الطاقة وكثافتها وطريقة تحويلها. معظم محطات الطاقة التقليدية تشترك في بنية واحدة: شيء يتحرك، هذه الحركة تدير توربينًا، التوربين يدير مولدًا، فتنتج الكهرباء. الفحم، الغاز، الطاقة النووية، الرياح، المياه، والحرارة الجوفية كلها تعمل بهذه السلسلة.

الاستثناء الحقيقي الوحيد هو الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وهذا الاستثناء يفسّر كثيرًا مما سنناقشه لاحقًا.

الكتلة الحيوية وحرق النفايات: الحياد الكربوني على الورق فقط

عندما تحرق دول مثل الدنمارك الكتلة الحيوية أو النفايات لإنتاج الكهرباء، فإن ثاني أكسيد الكربون ينبعث إلى الغلاف الجوي. من منظور كيميائي وفيزيائي، لا يوجد أي فرق بين هذا الكربون والكربون الناتج عن الفحم أو النفط. الغلاف الجوي لا “يسأل” عن مصدر ذرة الكربون.

سبب تصنيف الكتلة الحيوية كطاقة خضراء يعود إلى محاسبة كربونية، لا إلى فيزياء المناخ. الحجة تقول إن النباتات امتصت ثاني أكسيد الكربون أثناء نموها، وإن حرقها يعيد هذا الكربون فقط، في دائرة مغلقة. المشكلة أن هذه الدائرة ليست فورية. الكربون يُطلق الآن، بينما امتصاصه قد يستغرق عقودًا، وخلال هذه الفترة يساهم في الاحترار العالمي.

حرق النفايات يزيد التعقيد، لأن جزءًا كبيرًا من النفايات الحديثة هو بلاستيك، أي وقود أحفوري صلب. صحيح أن الحرق يقلل من حجم النفايات ويمنع انبعاث الميثان من المكبات، لكنه لا يلغي التلوث، بل يغيّر شكله فقط.

هذه الحلول ليست خضراء بمعنى صارم، بل حلول انتقالية في أنظمة لم تستطع بعد التخلي الكامل عن الوقود الأحفوري.

الغاز الطبيعي والحافلات: الخلط بين الهواء النظيف والمناخ

الغاز الطبيعي يُقدَّم غالبًا كوقود أنظف، وهو كذلك من حيث جودة الهواء المحلي. انبعاثات الجسيمات الدقيقة وأكاسيد الكبريت أقل، وهذا يحسن صحة المدن. لهذا السبب تعتمد كثير من المدن حافلات تعمل بالغاز.

لكن مناخيًا، الصورة مختلفة. الغاز الطبيعي هو في الأساس ميثان، وهو غاز دفيئة أقوى بكثير من ثاني أكسيد الكربون على المدى القصير. التسربات أثناء الاستخراج والنقل والاستخدام قد تلغي الفائدة النظرية بالكامل.

هنا يحدث خلط شائع: تحسين جودة الهواء لا يعني حماية المناخ. الأول محلي، والثاني عالمي. ما هو جيد للمدينة ليس بالضرورة جيدًا للكوكب.

الألواح الشمسية: الاستثناء الفيزيائي الحقيقي

الطاقة الشمسية ليست مجرد مصدر متجدد آخر، بل تمثل تحولًا جذريًا في طريقة إنتاج الكهرباء. فهي لا تعتمد على الحركة ولا على الحرارة، بل على تأثير كمي مباشر يُعرف بالتأثير الكهروضوئي.

في الخلايا الشمسية، تصطدم الفوتونات بالإلكترونات داخل مادة شبه موصلة، فتُحرَّك مباشرة لتوليد جهد كهربائي. لا توجد توربينات، ولا أجزاء متحركة، ولا مراحل وسيطة.

هذا يفسّر لماذا تُعد الطاقة الشمسية ثورية، ولماذا في الوقت نفسه تعاني من مشكلة جوهرية: الانقطاع. الشمس مصدر خارجي هائل، لكن وصولها غير مستمر، مما يجعل التخزين وليس التوليد هو التحدي الأكبر.

الاندماج النووي والفيزياء الكمية: لماذا تعود التوربينات دائمًا

الاندماج النووي يُقدَّم أحيانًا كطاقة المستقبل التي ستغيّر كل شيء. صحيح أن الاندماج عملية كمية تحول الكتلة إلى طاقة، لكن الناتج النهائي هو حرارة، لا كهرباء مباشرة.

لكي نستخدم هذه الطاقة، نحتاج مرة أخرى إلى تسخين وسيط، إنتاج بخار، تدوير توربين، وتشغيل مولد. الفرق الوحيد بين الاندماج والفحم هو مصدر الحرارة، لا آلية إنتاج الكهرباء.

مشاريع مثل ITER تهدف لإثبات استدامة التفاعل، لا لتغيير قوانين التحويل الطاقي. حتى لو نجح الاندماج، سيظل جزءًا من نفس المنظومة الحرارية التقليدية.

نيكولا تسلا وأسطورة الطاقة من العدم

قليل من العلماء أسيء فهمهم مثل نيكولا تسلا. تسلا لم يكتشف طريقة لإنتاج الطاقة من لا شيء. ما عمل عليه هو نقل الطاقة لاسلكيًا، لا خلقها.

أسطورة “الطاقة الحرة” استمرت لأنها تلبي رغبة إنسانية عميقة: أن يكون هناك حل مخفي ينهي الندرة دون ثمن. الفيزياء لا تدعم هذا الأمل. كل جهاز يدّعي إنتاج طاقة زائدة يفشل عند الاختبار المستقل.

لا توجد مؤامرة كونية لإخفاء الحل. هناك فقط قوانين طبيعية لا تُساوِم.

الطاقة في الخلايا الحية: لماذا الحياة ليست مولدًا

الخلايا الحية مليئة بالطاقة الكيميائية والكهربائية الدقيقة، لكنها تستخدم هذه الطاقة للبقاء فقط. لا يوجد فائض يمكن استخراجه. أي محاولة لسحب الطاقة من الخلية تقلل من قدرتها على العيش.

حتى الأنظمة التي تستخدم البكتيريا لتوليد كهرباء تعمل بقدرات ضئيلة جدًا، تكفي لأجهزة استشعار، لا لمجتمعات بشرية. الحياة مستهلك للطاقة، لا منتج لها.

الجاذبية: التخزين لا الخلق

الجاذبية تلعب دورًا حاسمًا في تخزين الطاقة. السدود الكهرومائية، وضخ المياه إلى ارتفاعات أعلى، كلها تعتمد على تحويل الطاقة الكهربائية إلى طاقة وضع، ثم استعادتها لاحقًا.

الجاذبية هنا تشبه البطارية. لا تعطي طاقة من تلقاء نفسها، لكنها ممتازة في حفظها على نطاق واسع ولفترات طويلة.

الموجات الثقالية والزلازل: طاقة هائلة غير قابلة للاستخدام

الموجات الثقالية التي ترصدها مراصد مثل LIGO تحمل طاقة، لكنها تتفاعل مع المادة بضعف شديد لدرجة تجعل استخدامها مستحيلًا عمليًا.

الزلازل تطلق طاقة هائلة في لحظات قصيرة وبطريقة مدمرة. لا يمكن التحكم بها، ولا توقيتها، ولا تحويلها إلى مصدر مستمر. أي بنية تحاول “حصادها” ستُدمَّر قبل أن تستفيد منها.

الضغط، الخطوات، والمطر: الطاقة موجودة لكن الأرقام لا ترحم

الحصاد الطاقي من الخطوات أو المطر ممكن تقنيًا باستخدام مواد كهرضغطية، لكنه محدود للغاية. الطاقة في هذه الظواهر صغيرة جدًا مقارنة بما تحتاجه الحضارة الحديثة.

هذه التقنيات مفيدة فقط للأجهزة الصغيرة ذات الاستهلاك الضئيل، وليس لإنتاج الكهرباء على نطاق واسع.

النمط الذي يفسّر كل شيء

مصادر الطاقة القابلة للتوسع تشترك في ثلاث خصائص: الاستمرارية، الاتجاهية، والكثافة العالية. الشمس تحقق هذه الشروط. الطاقة النووية كذلك. الرياح والمياه، بقدر أقل، لكنها كافية.

معظم الأفكار الأخرى تفشل لأنها تفتقد واحدة أو أكثر من هذه الخصائص.

مستقبل الطاقة للبشرية: واقع لا خيال

مستقبل الطاقة لن يعتمد على المعجزات، بل على القليل من المصادر التي أثبتت الفيزياء أنها قادرة على دعم الحضارة. الشمس ستكون الأساس، مباشرة أو غير مباشرة. الطاقة النووية ستبقى مهمة حيث تلزم الكثافة والاستقرار. التخزين سيكون العامل الحاسم، والجاذبية ستلعب دورًا محوريًا فيه.

كثير مما نطلق عليه اليوم “أخضر” هو مجرد مرحلة انتقالية. الاعتراف بذلك ليس تشاؤمًا، بل نضج فكري.

الخلاصة الأخيرة

ليست مشكلة البشرية نقص الأفكار، بل سوء التمييز بين الممكن والمستحيل. قوانين الفيزياء ليست أعداءنا، بل الخريطة الوحيدة التي تحدد الطريق.

عندما نتوقف عن البحث عن الطاقة في كل شيء، ونبدأ في بناء عالم ذكي حول المصادر القليلة التي تعمل حقًا، يصبح المستقبل ليس فقط ممكنًا، بل قابلًا للتحقيق.

بقلم أبو آدم الكسواني