لأكثر من قرن، أدهشت النفاثة الساطعة المنبثقة من قلب المجرة الإهليلجية العملاقة M87 علماء الفلك حول العالم. والآن، قدم تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) أوضح رؤية بالأشعة تحت الحمراء لهذه القوة الكونية، كاشفًا عن تفاصيل جديدة حول النفاثة المدفوعة بالثقب الأسود، وحتى رصد التوأم المراوغ الذي يتدفق في الاتجاه المعاكس.
التفاصيل المكتشفة عن النفاثة
في الصورة الجديدة التي التقطها تلسكوب جيمس ويب، تظهر النفاثة كشرائط وردية لامعة تتكشف عبر خلفية بنفسجية ضبابية. تتدفق الجسيمات المشحونة لآلاف السنين الضوئية من الثقب الأسود المركزي لمجرة M87. تظهر العقد اللامعة على طولها، متتبعةً حيث تتسارع الجسيمات إلى سرعات قريبة من سرعة الضوء.
ولأول مرة في الضوء تحت الأحمر، نجح تلسكوب ويب في تصوير النفاثة المعاكسة الخافتة على بعد حوالي 6000 سنة ضوئية من الثقب الأسود – وهي ميزة ضعيفة جدًا وصعبة الرصد لأنها تتحرك بعيدًا عنا بسرعة تقارب سرعة الضوء، مما يجعل ضوءها يبدو أضعف.
أهمية المجرة M87 في علم الفلك
تقع مجرة M87 على بعد حوالي 55 مليون سنة ضوئية من الأرض، وقد لاحظها لأول مرة شارل مسييه في القرن الثامن عشر. تُعتبر من أكثر المجرات دراسة في السماء. في قلبها يقع ثقب أسود هائل يُعرف باسم M87*، والذي أصبح شهيرًا في عام 2019 كأول ثقب أسود يتم تصويره مباشرةً من قِبل البشرية.
هذا الثقب الأسود هو الذي يغذي النفاثة العملاقة، والتي تُعتبر مختبرًا طبيعيًا لبعض من فيزياء الكون الأكثر تطرفًا.
التقنيات المستخدمة في الاكتشاف
باستخدام أداة الكاميرا تحت الحمراء القريبة (NIRCam) لتلسكوب ويب، قام فريق بقيادة يان ريدر من معهد الفيزياء الفلكية في الأندلس بإسبانيا بتصوير النفاثة في أربعة نطاقات تحت الحمراء. لعزل النفاثة، قام الباحثون بحذر بطرح ضوء النجوم والغبار والمجرات الخلفية، مما أسفر عن الصورة تحت الحمراء الأكثر تفصيلًا لتدفق M87 على الإطلاق، وفقًا لورقة نشرها الفريق في مجلة علم الفلك والفيزياء الفلكية.
ظواهر فيزيائية قصوى
أقرب إلى قلب المجرة، تأخذ النفاثة شكلًا حلزونيًا. ميزة بطيئة الحركة تُعرف باسم “العقدة L” مرئية في لقطة جيمس ويب، جنبًا إلى جنب مع منطقة أكثر سطوعًا تُسمى HST-1، المعروفة بحركتها السريعة والتي تبدو فائقة اللمعان. توضح الرؤية الواضحة لتلسكوب ويب انقسام HST-1 إلى بنيتين فرعيتين متميزتين بخصائص انبعاث مختلفة، مما يُعد دليلًا على الصدمات والديناميكيات الجسيمية المعقدة بالقرب من الثقب الأسود.
الخاتمة
تؤكد البيانات الجديدة أن النفاثة تلمع من خلال إشعاع سيكلوترون – الضوء الذي ينبعث من الجسيمات المشحونة التي تدور عبر المجالات المغناطيسية. من خلال قياس الفروق الدقيقة في اللون عبر النطاقات تحت الحمراء، تمكن الفريق من تتبع كيفية تسارع الجسيمات وتبريدها ولفها على طول النفاثة.
تُعتبر النفاثات مثل تلك التي في M87 مختبرات طبيعية للفيزياء القصوى، مدفوعة بالثقوب السوداء العملاقة والقادرة على تسريع الجسيمات إلى طاقات تفوق بكثير تلك التي يتم تحقيقها على الأرض. فهمها يساعد علماء الفلك في استكشاف كيف تؤثر الثقوب السوداء على مجراتها المضيفة، وتنظم تكوين النجوم وتنشر المادة والطاقة بعيدًا في الفضاء البين مجري.