تُعتبر حالة المياه المحصورة واحدة من الظواهر المثيرة التي لم تُفهم بعد بشكل كامل، ومن أبرز هذه الحالات ما يُعرف بـ “حالة ما قبل الذوبان”. في هذه المرحلة الفريدة، يتصرف الماء وكأنه على حافة التجمد والذوبان في الوقت نفسه، مما يجعله يتحدى التصنيفات المعتادة للسائل أو الصلب. رغم أن هذه الحالة تُعد موضوعًا صعبًا للدراسة، إلا أن فريقًا من الباحثين من جامعة طوكيو للعلوم في اليابان قد ألقى الضوء على بعض أسرار المياه المحصورة.
استخدام تقنيات متقدمة لدراسة المياه المحصورة
في دراسة حديثة، قادها البروفيسور ماكوتو تادوكورو بالتعاون مع زملائه، تم استخدام تقنية الرنين المغناطيسي النووي للديتريوم في الحالة الصلبة لمراقبة ديناميكيات المياه المحصورة داخل المسامات النانوية المحبة للماء في البلورات الجزيئية. وقد نشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية.
لإجراء التجارب، قام الفريق بإنتاج بلورات على شكل قضبان سداسية تحتوي على قنوات أحادية الأبعاد تقريبًا، بقطر يبلغ حوالي 1.6 نانومتر. تم ملء هذه القنوات بالماء الثقيل (D2O)، مما مكن الباحثين من تأكيد وجود بنية هرمية ثلاثية الطبقات لجزيئات الماء المحصورة.
التعرف على “حالة ما قبل الذوبان”
من خلال تسخين البلورات تدريجيًا، لاحظ الباحثون تغيرات بارزة في أطياف الرنين المغناطيسي النووي، مما أكد وجود انتقال في الطور إلى “حالة ما قبل الذوبان”. وقد أوضحت القياسات وجود حالتين متناقضتين ظاهريًا، حيث تتضمن حالة ما قبل الذوبان ذوبان طبقات H2O المرتبطة بشكل غير كامل قبل بدء ذوبان الهيكل الجليدي الكامل.
أوضح البروفيسور تادوكورو أن هذه الحالة تمثل مرحلة جديدة من الماء، حيث تتعايش طبقات H2O المجمدة مع طبقات H2O المتحركة ببطء. وقد أظهرت الدراسة أن المياه في هذه الحالة تمتاز بحركة دورانية سريعة تشبه حركة السوائل، رغم أن مواقع الجزيئات ثابتة نسبيًا كما هو متوقع في المواد الصلبة.
التطبيقات المستقبلية والاكتشافات الممكنة
تشير هذه النتائج إلى فهم أعمق لكيفية تصرف المياه تحت ظروف الحصر الشديد، مما يوضح الجوانب الهيكلية والديناميكية المهمة لفهم كيفية مرور المياه والأيونات عبر البروتينات والأغشية البيولوجية. يتطلع الباحثون إلى أن يؤدي هذا الفهم إلى ابتكارات عملية في المستقبل.
قد تمكننا هذه الدراسات من إنشاء هياكل جليدية جديدة يمكن استخدامها لتخزين الغازات النشطة مثل الهيدروجين والميثان وتطوير مواد تعتمد على الماء مثل هيدرات الغاز الصناعي. كما أن التحكم في خصائص تجمد المياه بناءً على هيكل الجليد قد يؤدي إلى إنشاء مواد مائية جديدة وآمنة ومنخفضة التكلفة.
الخاتمة
تسلط هذه الدراسة الضوء على أن الماء، رغم كونه مادة شائعة، لا يزال يحمل أسرارًا أساسية تنتظر من يكتشفها. من خلال فهم ديناميكيات المياه المحصورة وحالة ما قبل الذوبان، يمكننا تحقيق تقدم كبير في العلوم الكيميائية والبيولوجية، مما يفتح أبوابًا جديدة للنظر في تطبيقات مستقبلية محتملة.