الزلازل، بقدرتها الهائلة على التدمير، تعتبر من الظواهر الطبيعية الأكثر إثارة للدهشة. فعندما تهتز الأرض، تتسبب الزلازل في تصدعات في الأرض، وإسقاط المباني، والتسبب في انهيارات صخرية ضخمة. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه القدرة التدميرية العالية ليست سوى جزء صغير من الطاقة الإجمالية للزلزال. تأتي دراسة حديثة لتسلط الضوء على كيفية توزيع هذه الطاقة ومدى تأثيرها على الأرض.
الطاقة الزلزالية: بين الاهتزاز والحرارة
في دراسة جديدة نُشرت في مجلة AGU Advances، وُجد أن الاهتزازات تمثل فقط من 1 إلى 8 في المئة من الطاقة التي يطلقها الزلزال، بينما يتبدد ما يصل إلى 98 في المئة من هذه الطاقة كحرارة. هذا التسخين الشديد يحدث نتيجة احتكاك الكتل الصخرية العملاقة ببعضها البعض، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى أكثر من 1700 درجة مئوية، وهي حرارة كافية لصهر الكوارتز والمعادن الأخرى.
التحدي الرئيسي يكمن في قياس كمية الطاقة التي تذهب للاهتزازات مقابل كسر الصخور والتسخين المفاجئ، خاصة أن الزلازل تبدأ في أعماق الأرض وتحدث في فترات زمنية غير متوقعة. لفهم هذه الميزانية الطاقية، قام الباحث دانيال أورتيغا-أرويو وزملاؤه بإنشاء زلازل مختبرية صغيرة عن طريق ضغط رقائق صغيرة بحجم السنتيمترات من خليط مسحوق الجرانيت والجزيئات المغناطيسية بين مكابس من الألومنيوم حتى تنزلق أو تنكسر. استخدموا موازين الحرارة وأجهزة الاستشعار الكهروضغطية لمحاكاة قياسات الزلازل الحقيقية.
النتائج المختبرية: تسخين سريع ومفاجئ
حتى الزلازل المختبرية الصغيرة شهدت ارتفاعًا سريعًا في درجة الحرارة. “ارتفعت الحرارة من درجة حرارة الغرفة إلى أكثر من 900 درجة مئوية في بضع ميكروثواني”، كما يقول أورتيغا-أرويو.
وجد الباحثون أن بين 68 و98 في المئة من الطاقة التي أطلقتها هذه الزلازل المختبرية تبددت كحرارة. بينما استهلك كسر الشريحة ما بين أقل من 1 في المئة إلى ما يصل إلى 32 في المئة من الطاقة، فيما كانت الاهتزازات تشكل 8 في المئة أو أقل. العينات التي تعرضت لتشوه أكبر قبل الكسر شهدت تسخينًا أقل قليلاً، مما يشير إلى أن تاريخ الصخور في الفالق قد يؤثر على مقدار الطاقة التي تذهب للتسخين، وكسر الصخور، والاهتزاز في الزلزال القادم.
أهمية البحث في نمذجة الزلازل
يشير البحث الجديد إلى أن ميزانية طاقة الزلازل لا تزال “مجهولة كبيرة”، كما تقول رايتشل أبيركرومبي، الباحثة في الزلازل بجامعة بوسطن، التي لم تشارك في الدراسة ولكنها ناقشت التجارب مع المؤلفين قبل النشر. “إنه أمر أساسي لفهم الزلازل وبالتالي القدرة على نمذجتها.” تُستخدم نماذج الكمبيوتر للزلازل في كل شيء بدءًا من تحديد مدى مقاومة المباني المحلية للزلازل وصولاً إلى محاولة التنبؤ بموعد الكسر التالي للفالق ومدى حجم الزلزال الناتج.
تطبيقات العملية المختبرية في العالم الواقعي
ميزة العمل هي استخدام تقنية جديدة تقيس محاذاة المعادن المغناطيسية في الصخور المسخنة للمساعدة في تفسير تغير درجة الحرارة، كما تقول هيذر سافاج، الباحثة في الزلازل بجامعة كاليفورنيا، سانتا كروز. سافاج، التي لم تشارك في الدراسة، تجري تحليلات ميدانية للصخور المنصهرة على خطوط الفالق القديمة. هذه الدراسات الواقعية تستخدم أيضًا التحليل المغناطيسي، وتقول إن وجود نفس القياسات في العالم الواقعي وفي المختبر يمكن أن يساعد في توسيع النتائج من شريحة بحجم السنتيمتر إلى فالق يمتد لعدة كيلومترات.
الخاتمة
تسلط هذه الدراسة الضوء على الأهمية الكبيرة لفهم توزيع الطاقة في الزلازل، ليس فقط لفهم الظاهرة الطبيعية بحد ذاتها، ولكن أيضًا لتطوير نماذج دقيقة تساعد في التنبؤ بآثار الزلازل المستقبلية. مع استخدام تقنيات جديدة وتحليل معملي مفصل، يمكن للعلماء الآن فهم أفضل لكيفية تأثير التاريخ الجيولوجي للصخور على توزيع الطاقة الزلزالية، مما يفتح آفاقًا جديدة للتنبؤ بالزلازل والتقليل من خطرها على المجتمع.