لطالما كانت المحيطات مستودعًا رئيسيًا لعناصر الحياة الأساسية، حيث تلعب دورًا حاسمًا في تطور الحياة على الأرض. يُعتبر الكربون العضوي أحد المكونات الرئيسية في هذه العملية، إذ أنه يشكل جزءًا من البنية البلورية للأويدات الغامضة التي تتشكل في قاع البحر. هذا المقال يستعرض كيف قام فريق من الباحثين بتعقب تاريخ إمداد الكربون العضوي في البحار وتأثيراته على الأحداث الجيولوجية والبيولوجية الكبرى.
تكوين الأويدات ودورها في تخزين الكربون
الأويدات، تلك الحبيبات التي تشبه الرمال، تتكون بطريقة مشابهة لتكوين كرات الثلج المتدحرجة، حيث تنمو طبقة بعد طبقة مع تحركها عبر قاع البحر. خلال هذه العملية، تلتصق جزيئات الكربون العضوي بها وتصبح جزءًا من بنيتها البلورية. هذه الجزيئات تحمل معلومات هامة عن مدى توفر الكربون العضوي عبر عصور جيولوجية طويلة، مما يسمح للباحثين بتتبع التغيرات في مستوى الكربون العضوي في المحيطات.
تمكن فريق الباحثين بقيادة همنغواي من استخدام الأويدات لتحديد مستوى الكربون العضوي في المحيطات خلال فترة زمنية تمتد من 1,000 إلى 541 مليون سنة مضت. وقد أظهرت النتائج أن هذه الفترة شهدت انخفاضًا كبيرًا في مستوى الكربون العضوي مقارنة بما هو متوقع، مما يتطلب إعادة النظر في الفرضيات السابقة حول تطور الحياة والعمليات الجيولوجية آنذاك.
دور المحيطات كمستودع لعناصر الحياة
تعتبر المحيطات مستودعًا ضخمًا للكربون، حيث يتم إذابة ثاني أكسيد الكربون من الهواء في مياه البحر ونقله إلى الأعماق عبر التيارات المحيطية، حيث يبقى هناك لفترات طويلة. بالإضافة إلى ذلك، تقوم الكائنات الحية الدقيقة مثل العوالق النباتية والبكتيريا بإنتاج الكربون العضوي من خلال عملية التمثيل الضوئي.
عندما تموت هذه الكائنات، تهبط ببطء نحو قاع البحر في شكل يُعرف باسم “الثلج البحري”. إذا وصلت إلى القاع دون أن تُستهلك من قبل الكائنات الأخرى، فإن الكربون يظل مدفونًا في القاع لملايين السنين، مما يساهم في تكوين مخزون ضخم من الكربون العضوي.
الثورة الأكسجينية وتغيرات الكربون
لعبت الثورة الأكسجينية دورًا حاسمًا في تغيير تركيبة الغلاف الجوي للأرض ومستويات الكربون العضوي في المحيطات. حدثت هذه الثورة على مرحلتين رئيسيتين، حيث ارتفع مستوى الأكسجين في الغلاف الجوي إلى مستواه الحالي.
رافق تلك الأحداث الجيولوجية الجليدية الكبرى التي غطت الكوكب بالأنهار الجليدية، ومع ذلك، استمرت الحياة في التطور وتقديم ابتكارات جديدة. خلال المرحلة الأولى من الثورة الأكسجينية، طورت الكائنات الحية آليات لتحويل الغذاء إلى طاقة بمساعدة الأكسجين، مما مهد الطريق لتطور الكائنات الحية الأكثر تعقيدًا.
نتائج الدراسات الحديثة وتغير النظريات
أظهرت الدراسات الحديثة التي أجراها فريق همنغواي أن مستوى الكربون العضوي المذاب في المحيطات بين 1,000 و541 مليون سنة مضت كان أقل بكثير مما كان يعتقد سابقًا. يُظهر البحث أن مستوى الكربون كان أقل بنسبة تتراوح بين 90 و99 في المئة من مستواه الحالي.
تسبب ظهور الكائنات الحية الأكبر حجمًا في تلك الفترة في زيادة معدل هبوط الكائنات الميتة إلى قاع المحيط، مما أدى إلى تراكم الكربون العضوي هناك. ومع نقص الأكسجين في الأعماق، لم يتم إعادة تدوير الكربون مما تسبب في انخفاض كبير في مخزون الكربون العضوي الذائب.
الخاتمة
تُعد النتائج التي توصل إليها فريق الباحثين ذات أهمية بالغة لفهم تطور الحياة على الأرض وكذلك على الكواكب الأخرى. تسلط هذه النتائج الضوء على كيفية استجابة الأرض للتغيرات البيئية، وهي مسألة حيوية في ظل التغيرات المناخية الحالية التي يسببها النشاط البشري. يُظهر البحث أن التغيرات في مستويات الأكسجين والكربون العضوي في المحيطات قد تكررت في الماضي، مما يُنذر بإمكانية تكرارها في المستقبل البعيد.