كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة “بيولوجيكال بسيكاتري: جلوبال أوبن ساينس” عن تفاصيل مهمة حول كيفية تعزيز بعض الخلايا العصبية في الدماغ لعودة الإدمان، وخاصة في حالات الاعتماد على الكحول. تركزت الدراسة على مجموعة من الخلايا العصبية في نواة بارافينتريكولار في الثالاموس (PVT) لدى الجرذان، وأظهرت أن هذا الجزء من الدماغ يصبح أكثر نشاطًا عند ربط الجرذان الإشارات البيئية بالراحة التي يوفرها الكحول من أعراض الانسحاب.
آلية الإدمان والعودة إلى التعاطي
أوضحت الدراسة أن واحدة من السمات الأكثر إلحاحًا للإدمان هي أن الشرب لا يكون من أجل المتعة فحسب، بل لتجنب الألم العاطفي والجسدي. يشير البروفيسور فريدبيرت فايس، الأستاذ في معهد سكريبس للبحث العلمي، إلى أن الإدمان لا يتعلق فقط بالسعي وراء النشوة، بل أيضًا بمحاولة التخلص من الحالات النفسية السلبية مثل التوتر والقلق الناتج عن الانسحاب.
وقد أظهر البحث أن منطقة PVT في الدماغ تشتعل في كل جرذ مر بعملية تعلم مرتبطة بالانسحاب، مما يوضح أي الدوائر العصبية يتم تجنيدها عندما يربط الدماغ الكحول بتخفيف التوتر.
من السلوك إلى خرائط الدماغ
في الولايات المتحدة، هناك حوالي 14.5 مليون شخص يعانون من اضطراب استخدام الكحول، والذي يشمل مجموعة من السلوكيات الضارة. يتميز الاعتماد على الكحول، مثل غيره من أنواع الإدمان، بدورات متكررة من الانسحاب، الامتناع، والانتكاس.
في دراسة سابقة عام 2022، استكشف العلماء كيف يتعلم الدماغ خلال هذه الدورات باستخدام الجرذان كنموذج. في البداية، ربطت الحيوانات الكحول بالمتعة وسعت إلى المزيد، لكن مع تكرار الانسحاب والانتكاس، أصبحت دوافعها أقوى بكثير.
عندما تدرك الجرذان أن الكحول يخفف من انزعاج الانسحاب، تستمر في البحث عنه حتى في ظل الظروف العقابية، مما يبرز قوة هذا النوع من التعلم السلبي في ترسيخ الإدمان.
تحديد المسارات العصبية المسؤولة
استخدم الباحثون تقنية تصوير دماغية متقدمة لرسم نشاط الخلايا في الجرذان التي تعرضت لإشارات مرتبطة بالكحول. قارنوا بين أربع مجموعات، إحداها تعلمت عبر الانسحاب أن الكحول يخفف من الحالة السلبية، وثلاثة مجموعات ضابطة لم تمر بهذا التعلم.
رغم أن العديد من مناطق الدماغ أظهرت نشاطًا مرتفعًا، إلا أن منطقة PVT تميزت بوضوح، وهي منطقة معروفة بدورها في تنظيم التوتر والقلق.
الفهم الأفضل للإدمان وتطبيقاته المستقبلية
تشير نتائج الدراسة إلى أن الآثار تتجاوز الكحول، إذ أن الإشارات البيئية التي تُشَرَط لتعزيز السلوك السلبي هي سمة عالمية للدماغ، ويمكن أن تحفز سلوكيات بشرية تتجاوز اضطرابات تعاطي المواد مثل اضطرابات القلق والتعلم المرتبط بالخوف.
ويهدف البحث المستقبلي إلى التوسع في الدراسة لتشمل الإناث ودراسة المواد الكيميائية العصبية التي تُطلَق في PVT عند مواجهة البيئات المرتبطة بهذه التجارب، مما قد يفتح آفاقًا جديدة لتطوير الأدوية باستهداف هذه الجزيئات.
الخاتمة
تسلط هذه الدراسة الضوء على تحول رئيسي في كيفية تفكير العلماء في الإدمان، حيث لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره سعيًا وراء المتعة، بل هروبًا من الحالات النفسية السلبية. يُظهر البحث الجديد أين تتجذر عملية التعلم هذه في الدماغ، مما يشكل خطوة إلى الأمام في فهمنا لكيفية ترسيخ سلوكيات الإدمان وتقديم إمكانات جديدة لعلاجها.