يعد قياس درجات الحرارة في البيئات التي لا يمكن لأي أداة البقاء فيها تحديًا كبيرًا للعلماء منذ زمن طويل. لكن فريقًا من العلماء في مختبر بروكهافن الوطني في نيويورك استطاعوا التغلب على هذا التحدي من خلال دراسة أزواج الإلكترون-البوزيترون الحرارية التي يتم إطلاقها خلال الاصطدامات السريعة للنوى الذرية في مصادم الأيونات الثقيلة النسبية (RHIC).
فتح نافذة حرارية جديدة
البلازما الكواركية-الجلوونية هي حالة فريدة من المادة حيث توجد الكواركات والجلوونات بحرية بدلاً من أن تكون محصورة داخل الجسيمات. تعتمد سلوكيات هذه البلازما بشكل كبير على درجة الحرارة. حتى الآن، كان العلماء يفتقرون إلى الأدوات التي تمكنهم من النظر إلى هذا النظام الساخن سريع التوسع دون إفساد النتائج.
مع وصول البلازما الكواركية-الجلوونية إلى درجات حرارة تصل إلى عدة تريليونات من الكلفن، كان التحدي يكمن في العثور على “مقياس حرارة” قادر على مراقبتها دون إزعاج. برزت أزواج اللبتونات الحرارية، أو انبعاثات الإلكترون-البوزيترون التي يتم إنتاجها طوال عمر البلازما، كمرشحين مثاليين.
اختراق تجريبي في مصادم الأيونات الثقيلة النسبية
لتحقيق ذلك، قام الفريق بتحسين أجهزة الكشف في مصادم الأيونات الثقيلة النسبية لعزل أزواج اللبتونات منخفضة الزخم وتقليل الضوضاء الخلفية. تم اختبار الفكرة التي تقول إن توزيع الطاقة لهذه الأزواج يمكن أن يكشف مباشرة عن درجة حرارة البلازما.
تمكن الباحثون من الحصول على قياسات دقيقة للغاية رغم التحديات في تمييز الإشارات الحرارية الحقيقية عن العمليات غير ذات الصلة. أظهرت النتائج مرحلتين حراريتين واضحتين، اعتمادًا على كتلة أزواج الإلكترون-البوزيترون المنبعثة.
مراحل درجة الحرارة المميزة
أظهرت النتائج أن المتوسط الحراري في نطاق الكتلة المنخفضة وصل إلى حوالي 2.01 تريليون كلفن، وهو ما يتماشى مع التنبؤات النظرية ومع درجات الحرارة التي تلاحظ عندما تتحول البلازما إلى مادة عادية.
في نطاق الكتلة الأعلى، بلغ المتوسط الحراري حوالي 3.25 تريليون كلفن، مما يمثل المرحلة الأولى والأكثر حرارة للبلازما. يشير هذا التباين إلى أن الإلكترون-البوزيترونات ذات الكتلة المنخفضة تُنتج في وقت لاحق خلال تطور البلازما، بينما تأتي الإلكترون-البوزيترونات ذات الكتلة العالية من المرحلة الأولية والأكثر نشاطًا.
رسم الخرائط للمادة تحت ظروف قصوى
من خلال قياس درجة حرارة البلازما الكواركية-الجلوونية بدقة في نقاط مختلفة من تطورها، يحصل العلماء على بيانات تجريبية حاسمة لاستكمال “رسم الطور الكمي”، وهو أمر ضروري لرسم خريطة كيفية تصرف المادة الأساسية تحت حرارة وكثافة هائلتين، شبيهة بالظروف الموجودة بعد لحظات من الانفجار الكبير وتوجد في ظواهر كونية مثل النجوم النيوترونية.
الخاتمة
من خلال هذا العمل البحثي المبتكر، تمكن العلماء من فتح نافذة جديدة على فهم الكون المبكر وظروفه الحرارية. هذا التقدم لا يمثل مجرد قياس، بل هو بداية حقبة جديدة في استكشاف أكثر الجوانب تطرفًا للمادة.