في عالم يتميز بالغموض والتقاليد العريقة، تشكل انتخابات البابا حدثاً نادراً ومعقداً. وقد أظهرت دراسة حديثة من جامعة بوكوني في ميلانو كيف يمكن للرياضيات، وتحديداً علم الشبكات، أن يلعب دوراً في توقع نتائج هذا الحدث المهم. من خلال تحليل الشبكات الاجتماعية للعلاقات بين الكرادلة، تمكن الباحثون من تقديم رؤى جديدة حول كيفية تأثير “المكانة” على النتائج.
تاريخ الانتخابات البابوية
تعتبر الانتخابات البابوية من أكثر الأحداث سرية في العالم الديني. تُجرى هذه الانتخابات في كنيسة سيستينا في الفاتيكان، حيث يجتمع كرادلة الكنيسة الكاثوليكية لاختيار البابا الجديد. يتسم هذا الحدث بالسرية والتقاليد العريقة التي تعود لقرون.
تاريخياً، كان اختيار البابا يعتمد على التصويت من قبل الكرادلة الذين يتعهدون بالحفاظ على سرية العملية. إلا أن هذا النظام المعقد دائماً ما كان يثير فضول المحللين والمراقبين الذين يسعون لفهم الديناميات الداخلية للمجمع الانتخابي.
دور الرياضيات والشبكات الاجتماعية
في محاولة لفهم هذه العملية المعقدة، لجأ باحثون من جامعة بوكوني إلى الرياضيات، وتحديداً علم الشبكات الاجتماعية. قاموا بتحليل العلاقات الشخصية والمهنية بين الكرادلة باستخدام تقنيات مستمدة من علم الرياضيات.
تشمل هذه العلاقات العمل المشترك في أقسام الفاتيكان، وعلاقات التتلمذ والصداقات. من خلال رسم شبكة اجتماعية بين الكرادلة، تمكن الباحثون من تطبيق تقنيات علم الشبكات لتحديد “المكانة” أو التأثير النسبي لكل كاردينال.
المكانة وتأثيرها في الانتخابات
أحد أهم المفاهيم المستخدمة في الدراسة هو مفهوم “المكانة” في الشبكة الاجتماعية. هذا المفهوم يعتمد على نظرية “مركزية درجة الارتباط” التي تقيس عدد الروابط التي يمتلكها الفرد في الشبكة. إلا أن هذه النظرية قد تتجاهل تأثير الروابط مع الشخصيات الأكثر نفوذاً.
لذلك، لجأ الباحثون إلى استخدام “مركزية المتجه الذاتي”، وهي تقنية أكثر تعقيداً تأخذ في الاعتبار تأثير الروابط مع الأفراد الأكثر نفوذاً. هذه التقنية تتيح تقييم تأثير الكاردينال ليس فقط بناءً على عدد معارفه، ولكن أيضاً بناءً على مكانة هؤلاء المعارف.
تطبيقات أخرى لمركزية المتجه الذاتي
لا يقتصر استخدام مركزية المتجه الذاتي على الانتخابات البابوية. فقد تم تطبيقها في مجالات أخرى مثل علم الأوبئة لتحديد الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا ناقلين رئيسيين للأمراض، وكذلك في علم الأعصاب لتحليل أنماط الاتصال العصبي.
كما أن شركة جوجل تستخدم مفهوماً مشابهاً عند ترتيب صفحات الويب في نتائج البحث، حيث تعتمد على خوارزمية PageRank التي تأخذ في الاعتبار أهمية الصفحات التي ترتبط بها.
الخاتمة
توضح هذه الدراسة كيف يمكن للرياضيات أن تكشف عن رؤى جديدة في ممارسات قديمة ومعقدة مثل الانتخابات البابوية. على الرغم من أن نجاح هذه المنهجية في الانتخابات الأخيرة قد يكون صدفة، إلا أن النتائج تشير إلى أن فهم الشبكات والعلاقات يمكن أن يكون له تأثير كبير في التنبؤ بالنتائج في المستقبل. تظل الرياضيات أداة قوية لفهم العالم من حولنا، سواء كان ذلك في سياق ديني أو علمي أو اجتماعي.