أول ما يلفت الانتباه في الفيديو ليس القفص ولا الحشد ولا حتى اسم القرد الصغير. ما يلفت الانتباه هو الطريقة التي يلتفّ بها حول الدمية. بانش، قرد مكاك ياباني صغير في حديقة الحيوان والحديقة النباتية بمدينة إيتشيكاوا في اليابان، يجلس داخل قفصه ممسكًا بدُمية قماشية كبيرة على شكل إنسان غاب. يضمّها إلى صدره بإحكام، يجرّها معه، ينام ملتصقًا بها، ويشدّ قبضته كلما اقتربت منه قرود أخرى. المشهد بسيط، لكنه يخترق المشاعر فورًا. لا يحتاج إلى تعليق صوتي. لا يحتاج إلى شرح علمي. يكفي أن نراه.
بحسب التقارير المنشورة في أواخر فبراير 2026، وُلد بانش في الحديقة لكن أمه رفضته بعد الولادة. هذا النوع من الرفض يمكن أن يحدث أحيانًا في جماعات المكاك، لكنه يضع الصغير في وضع هش للغاية. في الأسابيع الأولى من الحياة، لا يكون الاحتضان رفاهية، بل ضرورة بيولوجية: تنظيم للحرارة، تهدئة للجهاز العصبي، بداية لتعلّم القواعد الاجتماعية داخل المجموعة. عندما غاب هذا الرابط الأساسي، تولّى العاملون في الحديقة رعايته يدويًا، وقدّموا له دمية قماشية كوسيلة تهدئة وإثراء.
سرعان ما تحوّلت الدمية من أداة بسيطة إلى شيء أكثر عمقًا. أصبحت الجسد الثابت في عالم غير مستقر. أصبحت ما يتمسك به عندما يقترب الآخرون. ومع انتشار المقاطع على منصات التواصل الاجتماعي، خرجت القصة من حدود الحديقة. أصبح بانش رمزًا، وأصبحت الدمية علامة على شيء يفهمه البشر بسهولة: البحث عن الأمان.
في البداية، ركزت المقاطع المنتشرة على عزلته. كانت تظهره جالسًا بمفرده، متشبثًا بالدمية، بينما تقترب منه قرود أخرى بحذر أو فضول. كان يبدو وكأنه يحتمي بشيء لا يمكن أن يؤذيه. ثم بدأت تظهر مقاطع جديدة. جلس إلى جانب قرد صغير آخر. اقتربا من بعضهما. تقاسما الطعام. بقيا بالقرب من الدمية دون توتر واضح. بالنسبة للكثيرين، بدت تلك اللقطات وكأنها بداية تحول — خطوة أولى نحو اندماج اجتماعي قد يقلل حاجته إلى البديل القماشي.
لكن الانتشار الواسع لم يجلب التعاطف فقط، بل جلب أيضًا أسئلة. أشار بعض الزوار إلى ملاحظات تتعلق بتساقط الشعر لدى بعض القرود وظروف المعيشة. وردّت إدارة الحديقة بأن الحيوانات خضعت لفحوصات بيطرية وأنها بصحة جيدة، موضحة أن تساقط الشعر قد يكون مرتبطًا بسلوك الإفراط في التنظيف الذاتي، وهو سلوك يمكن أن يظهر في ظروف معينة. كما أكدت أنها تراقب عملية دمج بانش في المجموعة بعناية، لأن ديناميكيات الجماعات قد تتغير بسرعة وأي تدخل غير مدروس قد يزيد التوتر.
لو كانت هذه مجرد قصة عن قرد صغير ودمية، لربما انتهت هنا. لكنها لم تنتهِ. لأنها تكشف شيئًا أعمق من مشهد لطيف. تكشف التوتر القائم بين الرغبة في الرعاية، وحقيقة أن الحيوان يعيش داخل مساحة مصممة للبشر، لا له.
اللطف الذي نراه… والسؤال الذي نتجاهله
يمكن للإنسان أن يتعاطف بصدق مع بانش. ويمكن في الوقت نفسه أن يطرح سؤالًا صعبًا: لماذا احتاج أصلًا إلى بديل صناعي عن حضن أمه؟ الدمية قد تكون أداة مفيدة لتخفيف التوتر في سياق معين، لكن وجودها بحد ذاته يذكّرنا بأن البيئة المحيطة ليست البيئة التي تطوّر فيها هذا النوع.
في البرية، ينشأ صغير المكاك وسط شبكة اجتماعية معقدة. الأم تحمله، أفراد المجموعة يتفاعلون معه، المساحات المفتوحة تسمح بالانسحاب من الصراع أو الاقتراب من الحماية. الحركة ليست ترفًا؛ إنها جزء من التنظيم الاجتماعي. في الأسر، حتى في أفضل الظروف، تكون المساحة محدودة. الخيارات أقل. القدرة على الابتعاد عن التوتر أضيق. لا يمكن للحيوان أن يختار مغادرة المكان.
الدمية هنا تصبح رمزًا مزدوجًا. هي وسيلة تهدئة، لكنها أيضًا علامة على غياب شيء طبيعي. قد تساعد على التكيف، لكنها لا تعيد البيئة الأصلية. قد تخفف التوتر، لكنها لا تمنح حرية الاختيار.
السياق العالمي: كم عدد حدائق الحيوان فعلًا؟
قصة بانش فردية، لكنها تقع ضمن منظومة عالمية واسعة. التقديرات المتداولة تشير إلى وجود أكثر من عشرة آلاف حديقة حيوان حول العالم، مع الاعتراف بأن تعريف “حديقة الحيوان” يختلف بين الدول وأن الأرقام الدقيقة صعبة التحديد بسبب تنوع التصنيفات والرقابة.
في المقابل، تشير إحصاءات رابطة حدائق الحيوان وحدائق الأحياء المائية (AZA) المحدثة في يناير 2026 إلى وجود 253 منشأة معتمدة فقط ضمن برنامجها في 12 دولة. هذا الرقم لا يمثل العدد الإجمالي عالميًا، بل يعكس حجم المؤسسات التي تخضع لاعتماد مهني صارم مقارنة بالصورة الأوسع.
عند الحديث عن حدائق الحيوان، غالبًا ما يُشار إلى دورها في التعليم والحفاظ على الأنواع والبحث العلمي. وفي المقابل، تُطرح تساؤلات حول ضيق المساحات، وضغط العرض الجماهيري، والفجوة بين أفضل المؤسسات وأسوأها. كلا الواقعين موجود، لأن الفئة نفسها تضم نماذج متباينة بشدة.
تحولات تشريعية نحو تقليص استخدام الحيوانات للعرض
في السنوات الأخيرة، بدأت عدة دول في تقييد استخدام الحيوانات البرية في السياقات الترفيهية الواضحة. في إنجلترا، دخل قانون حظر الحيوانات البرية في السيرك المتنقل لعام 2019 حيز التنفيذ. وفي اسكتلندا وويلز صدرت قوانين مشابهة في 2018 و2020 على التوالي.
في كندا، صدر عام 2019 قانون “إنهاء أسر الحيتان والدلافين”، الذي أدخل تعديلات قانونية تتعلق باحتجاز هذه الكائنات وتنظيم نقلها. وفي الهند، صدرت وثائق رسمية منذ عام 2013 تعبر عن موقف أخلاقي ضد إقامة الدلافين في منشآت ترفيهية، مشيرة إلى مستوى ذكائها وحساسيتها.
أما كوستاريكا، فقد أغلقت في مايو 2024 آخر حدائق الحيوان الحكومية لديها، ونقلت ما يقارب 300 حيوان إلى ملجأ، في خطوة هدفت إلى تحويل التركيز من العرض إلى الحماية وإعادة التأهيل.
هذه الإجراءات لا تعني نهاية حدائق الحيوان عالميًا، لكنها تشير إلى تغير تدريجي في المعايير الأخلاقية، خصوصًا عندما يكون الاحتجاز مرتبطًا بالعرض الترفيهي أكثر من الحماية الفعلية.
كيف يمكن أن يتغير المسار؟
التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها. لكنه يبدأ من الخيارات. دعم المحميات الطبيعية ومراكز إعادة التأهيل التي تركز على الحماية بدل العرض يغيّر تدفق الموارد. المطالبة بالشفافية في معايير الرعاية والبيانات البيطرية ترفع مستوى المساءلة. النقاش العام يؤثر في التشريعات.
التكنولوجيا أيضًا تفتح بابًا جديدًا. اليوم يمكن مشاهدة الحياة البرية عبر بث مباشر عالي الدقة من محميات طبيعية، أو من خلال تجارب واقع افتراضي تنقل المشاهد إلى بيئات حقيقية دون نقل الحيوان منها. ومع تطور تقنيات العرض المجسم والتصوير الحجمي، قد يصبح من الممكن مستقبلاً تقديم تجارب تعليمية غامرة تُظهر الحيوانات في بيئاتها الطبيعية دون إبقائها في أقفاص.
الفكرة ليست استبدال القفص بشاشة فقط، بل إعادة توجيه الموارد نحو حماية المواطن الطبيعية ودعم الجهود الميدانية. عندما يرتبط الدخل بحماية البيئة بدل عرض الحيوان، يتغير الحافز الأساسي.
ما الذي تبقى بعد انتهاء الضجة؟
قد يندمج بانش بالكامل في مجموعته يومًا ما. قد تقل حاجته إلى الدمية. سيكون ذلك تطورًا إيجابيًا له. لكن القصة الأوسع ستبقى مطروحة: لماذا أصبح مشهد قرد صغير يحتضن دمية داخل قفص حدثًا عالميًا؟
ربما لأن المشهد جعل الناس يرون الحيوان كذات تشعر، لا كمعروض. وربما لأن التعاطف فتح نافذة لسؤال أكبر: كيف نريد أن تكون علاقتنا بالحياة البرية؟
في المستقبل، قد تصبح أكثر مقاطع الحياة البرية انتشارًا تلك التي تُظهر الحيوانات في موائلها الطبيعية، تُنقل إلينا بتقنيات متقدمة دون أن تُنتزع من بيئتها. وربما ندرك حينها أن أصدق أشكال الإعجاب بالحياة البرية هو أن نتركها تعيش حريتها، ونكتفي نحن بالمشاهدة باحترام.