تخطى إلى المحتوى

القارات المتلاشية: كيف تسهم في النشاط البركاني عبر المحيطات

أحدثت دراسة علمية حديثة من جامعة ساوثهامبتون ثورة في فهمنا لكيفية نقل المواد القارية إلى أعماق المحيطات، مما يسهم في النشاط البركاني لعشرات الملايين من السنين. هذا الاكتشاف يسلط الضوء على آلية جديدة لتفسير وجود توقيعات كيميائية قارية في جزر المحيط البعيدة عن حدود الصفائح التكتونية.

التفاعل بين القارات والمانتيل المحيطي

من المعروف أن القارات تتعرض للتفكك على سطحها بفعل القوى التكتونية، ولكن الدراسة تكشف عن أن هذه العملية تحدث أيضاً من القاع. عندما تتعرض القارات للإجهاد، فإنها تتقشر من الأسفل وتنتقل موادها إلى المانتيل المحيطي. هذه العملية تتيح للمانتيل المحيطي الحصول على مواد غنية بعناصر قارية، مما يفسر وجود هذه العناصر في جزر المحيط.

وتشير النتائج إلى أن المواد التي تتحلل من القارات يمكن أن تنتقل لمسافات تزيد عن ألف كيلومتر إلى داخل المانتيل المحيطي، حيث تستمر في تغذية النشاط البركاني لفترات زمنية طويلة. هذا التفاعل يوضح كيفية استمرار تأثيرات تفكك القارات حتى بعد مرور وقت طويل على تشكل أحواض محيطية جديدة.

نماذج حاسوبية وآفاق جديدة

قام فريق الباحثين بتطوير نماذج حاسوبية لمحاكاة سلوك المانتيل والقشرة القارية تحت تأثير القوى التكتونية. هذه النماذج أظهرت كيف أن الضغوط العميقة تؤدي إلى تشكل ما يشبه “موجة المانتيل” التي تتحرك ببطء شديد، حيث تساهم في نقل المواد القارية إلى المانتيل المحيطي.

ويعتبر هذا الاكتشاف خطوة كبيرة نحو فهم كيفية إعادة تنظيم المواد القارية في المانتيل المحيطي، مما يقدم تفسيرًا جديدًا لوجود العناصر الغنية في المناطق البركانية التي تفتقر إلى أدلة على وجود قشرة معاد تدويرها أو أعمدة مانتيلية عميقة.

دلائل من المحيط الهندي

استند الباحثون في دراستهم إلى تحليل البيانات الكيميائية والجيولوجية من مناطق مثل منطقة الأحواض البركانية في المحيط الهندي. هذه المنطقة تشكلت بعد تفكك قارة غندوانا قبل أكثر من 100 مليون سنة وتظهر توقيعات كيميائية غنية بالمواد القارية.

وأظهرت الدراسة أن هذه المواد القارية انفجرت إلى السطح كحمم بركانية غنية بعد فترة وجيزة من تفكك القارة، ثم بدأت هذه التوقيعات الكيميائية في التلاشي تدريجيًا مع تباطؤ تدفق المواد من أسفل القارات، وهو ما يمكن تفسيره دون الحاجة إلى فرضية الأعمدة المانتيلية العميقة.

الخاتمة

تقدم هذه الدراسة تفسيرًا جديدًا ومثيرًا لكيفية نقل المواد القارية إلى المانتيل المحيطي وتأثيرها على النشاط البركاني في المناطق البعيدة عن الحدود التكتونية. من خلال فهم كيفية تفاعل القارات مع المانتيل المحيطي، يمكن للعلماء الآن تفسير وجود العناصر القارية في جزر المحيط البعيدة بطريقة جديدة وغير متوقعة. هذه النتائج تسهم في توسيع آفاق البحث العلمي وإعادة النظر في النظريات التقليدية حول تكوين البراكين في قاع المحيطات.