تخطى إلى المحتوى

الذاكرة المكانية وتدهورها مع التقدم في العمر

تشكل الذاكرة المكانية جزءًا هامًا من حياتنا اليومية، حيث تساعدنا في تذكر المواقع والأماكن التي زرناها أو الأشياء التي وضعناها في أماكن معينة. ومع ذلك، تعتبر هذه القدرة واحدة من أولى المهارات الإدراكية التي تتراجع مع التقدم في العمر، مما يجعلها مؤشرًا على الخرف. في دراسة حديثة أجريت على الفئران المسنة، اكتشف الباحثون أن خلايا الشبكة في القشرة الشمية الوسطى، التي تعمل كجهاز تحديد المواقع في الدماغ، تصبح غير مستقرة وأقل دقة.

فهم آلية الذاكرة المكانية

الذاكرة المكانية تعتمد بشكل كبير على القشرة الشمية الوسطى في الدماغ، وهي المنطقة التي تحتوي على مجموعة متنوعة من الخلايا العصبية التي تتبع معلومات مثل سرعة الحركة واتجاه الرأس وأبعاد المكان وحدوده. تُعرف الخلايا التي تُنشئ خريطة للبيئة بخلايا الشبكة، وتعمل هذه الخلايا بشكل يشبه نظام خطوط الطول والعرض.

في الدراسة الحديثة، قام الباحثون بمراقبة نشاط الدماغ لدى الفئران عبر ثلاث فئات عمرية: الفئران الشابة، والمتوسطة العمر، والمسنّة. وقد تم وضع الفئران في بيئات واقع افتراضي للبحث عن مكافآت مخفية، مما سمح للباحثين بمراقبة كيفية تفاعل خلايا الشبكة مع تغييرات البيئة.

تأثير العمر على الخلايا الشبكية

أظهرت الدراسة أن النشاط في القشرة الشمية الوسطى يصبح أقل استقرارًا مع التقدم في السن. الفئران المسنّة التي كانت لديها نشاط أقل استقرارًا في هذه المنطقة من الدماغ كانت الأكثر ارتباكًا في اختبارات الذاكرة المكانية. هذا يعكس الصعوبات التي يواجهها كبار السن في التعرف على الأماكن الجديدة.

على الرغم من أن الفئران المسنّة كانت بشكل عام أقل كفاءة في التعامل مع بيئاتها مقارنة بنظيراتها الأصغر سنًا، إلا أن هناك تباينًا واسعًا في الأداء بين الفئران المسنّة، مما يشير إلى أن تدهور الذاكرة المكانية قد لا يكون جزءًا حتميًا من التقدم في العمر.

الاختلافات الجينية ودور “الفائقين”

فيما يتعلق باختلاف الأداء بين الفئران المسنّة، لاحظ الباحثون وجود ذكور من الفئران المسنّة التي كانت قادرة على تذكر مواقع المكافآت المخفية بشكل مماثل أو حتى أفضل من الفئران الشابة. هذه الفئران التي سُميت “الفائقين” أظهرت نشاطًا للخلايا الشبكية مشابهًا للفئران الأصغر سنًا، مما يشير إلى وجود عوامل جينية أو عصبية تساهم في الحفاظ على الذاكرة المكانية.

أدى هذا الاكتشاف إلى قيام الباحثين بفحص الفروق الجينية بين الفئران الشابة والمسنّة. وقد تم تحديد 61 جينًا يرتبط بنشاط الخلايا الشبكية. هذه الجينات يمكن أن تلعب دورًا في تحفيز أو تعويض تدهور الذاكرة المكانية.

الخاتمة

تسلط هذه الدراسة الضوء على التغيرات التي تحدث في الدماغ مع التقدم في العمر وتأثيرها على الذاكرة المكانية. بينما يشير التدهور العام في الخلايا الشبكية إلى تحديات في الذاكرة المكانية مع التقدم في السن، فإن وجود الفئران الفائقة يقدم أملًا في فهم أكبر للآليات الجينية والعصبية التي قد تساعد في الحفاظ على هذه القدرات. يُظهر البحث أن الفروق الفردية في الشيخوخة قد تكون مفتاحًا لفهم أفضل لسبب مقاومة بعض الأفراد لتدهور الذاكرة المكانية أكثر من غيرهم.