نحن لا نعيش نهاية العقل، ولا انهيار العلم، ولا عودة فعلية إلى عصور الظلام. ما نعيشه هو مرحلة تاريخية أكثر تعقيدًا: عالم أصبحت فيه المعلومات متوفرة بلا حدود، بينما أصبح المعنى نادرًا، وتحولت الانتباهات البشرية إلى ساحة صراع مستمر. الذكاء الاصطناعي، وسائل التواصل الاجتماعي، الصدمات الجماعية مثل الجائحة، وتسارع التغيير التكنولوجي، كلها اندمجت لتُدخل البشرية في ما يمكن تسميته بـ عصر الضجيج.
هذا العصر لا يُربك الناس لأن الحقيقة اختفت، بل لأن الحقائق كثيرة إلى درجة تجعل تحديد ما هو مهم أمرًا مرهقًا نفسيًا. الإنسان لم يُصمم ليتعامل مع هذا الكم من الاحتمالات المتنافسة في وقت واحد. لذلك، القلق والاكتئاب لم يعودا حالات فردية، بل استجابات جماعية لبيئة غير مستقرة نفسيًا.
عصر الضجيج وأزمة المعنى
في العصور المظلمة الحقيقية، كانت المشكلة فقدان المعرفة نفسها. المكتبات دُمرت، والقراءة تراجعت، وسلاسل العلم انقطعت. اليوم يحدث العكس تمامًا. المعرفة تتضاعف، والبحث العلمي يتسارع، والتكنولوجيا تتقدم بسرعة غير مسبوقة.
الأزمة الحالية ليست معرفية، بل وجودية. حين تتدفق المعلومات بلا توقف، يصبح من الصعب التمييز بين المهم والعابر، بين العميق والسطحي. الخوارزميات لا تكافئ التفكير الهادئ، بل تكافئ المشاعر القوية: الغضب، الخوف، اليقين المطلق. ومع الوقت، يشعر الإنسان أن التفكير المتزن لا صوت له.
في مثل هذه البيئات، تعود الأيديولوجيات والدين بقوة، ليس لأن العلم فشل، بل لأن الإنسان يبحث عن هوية ومعنى واستقرار نفسي. العلم يشرح كيف يعمل العالم، لكنه لا يجيب عن سؤال: لماذا أستيقظ كل صباح؟ وعندما تهتز الوظائف، وتضعف الثقة بالمؤسسات، يصبح البحث عن المعنى أولوية نفسية لا يمكن تجاهلها.
الذكاء الاصطناعي وتسريع القلق الجماعي
الذكاء الاصطناعي لا يهدد الوظائف فقط، بل يهدد الفكرة التي بنى عليها الإنسان كرامته الحديثة: أن الجهد والمهارة يضمنان الأمان. حين يرى الإنسان آلة تؤدي عمله بسرعة ودقة أعلى، لا يشعر فقط بالخوف على دخله، بل على قيمته الذاتية.
لهذا فإن التحدي القادم نفسي قبل أن يكون اقتصاديًا. معظم الناس لن يُستبدلوا فجأة، لكنهم سيعيشون شعورًا متواصلًا بعدم اليقين. هذا الشعور، إذا طال، يتحول إلى اكتئاب مزمن، أو لامبالاة، أو تطرف فكري.
الخطر الحقيقي ليس أن تحل الآلات محل البشر، بل أن يبدأ البشر في رؤية أنفسهم كآلات: قيمتهم تُقاس فقط بالإنتاج. هذه الفكرة، تاريخيًا، كانت دائمًا مقدمة لانهيارات نفسية واجتماعية.
لماذا يزداد الاكتئاب في الفترات الانتقالية
الاكتئاب في هذه المرحلة ليس ضعفًا شخصيًا، بل إشارة إنذار. الدماغ البشري مهيأ لعالم مستقر نسبيًا، حيث تؤدي القرارات إلى نتائج متوقعة. عندما تنهار هذه العلاقة، يشعر الإنسان بفقدان السيطرة.
في الثورات الصناعية السابقة، ظهرت موجات مشابهة من القلق واليأس، لكنها استقرت لاحقًا بعد أن تكيفت المجتمعات. الفرق اليوم هو سرعة التغيير. ما كان يستغرق أجيالًا، يحدث الآن خلال سنوات قليلة.
من دون استراتيجيات واعية للتكيف، يقع الأفراد في فخ العجز النفسي، ويصبح الضجيج المحيط بهم دليلًا دائمًا على أن المستقبل خارج السيطرة.
كيف يحافظ الفرد على قيمته في عصر الذكاء الاصطناعي
الحفاظ على القيمة لا يعني منافسة الذكاء الاصطناعي في التنفيذ. هذه معركة خاسرة. القيمة البشرية تتركز حيث لا تستطيع الآلات الوصول: الحكم، المسؤولية، والثقة.
الآلة يمكنها تقديم خيارات، لكنها لا تستطيع تحديد ما هو مهم أخلاقيًا أو اجتماعيًا، ولا يمكن محاسبتها معنويًا. الأشخاص الذين يحددون الاتجاه، يفسرون السياق، ويتحملون تبعات القرارات، يظلون ضروريين مهما تطورت الأدوات.
الانتقال من التنفيذ إلى التفكير المجرد ضروري. من يحدد المشكلة أطول عمرًا ممن يحلها. من يفهم النظام ككل، لا مجرد أجزائه، يصبح نقطة ارتكاز في بيئة متقلبة.
السياق أهم من المهارة. المهارات يمكن تعلمها بسرعة، لكن الفهم العميق لتاريخ المجال، أخطائه، وحدوده، لا يُختصر. الأشخاص الذين يحملون هذا الفهم لا يُستبدلون، بل يُستشارون.
الثقة لا يمكن أتمتتها. المؤسسات لا تزال بحاجة إلى بشر يتحملون المسؤولية، يشرحون القرارات، ويواجهون العواقب. في عالم آلي، تصبح السمعة والمسؤولية رأس مال نادر.
البقاء النفسي في عصر الآلة
الاستقرار النفسي يتطلب التخلي عن الهوية القائمة على النتائج فقط. عندما تُربط قيمة الإنسان بالوظيفة أو الدخل أو اللقب، يصبح أي تغيير تقني تهديدًا وجوديًا. الهوية القائمة على العملية أكثر مرونة: كيف أتعلم، كيف أفكر، كيف أساعد، وكيف أتكيف.
إدارة الانتباه ضرورة وجودية. التعرض المستمر لمحتوى قائم على الخوف يعيد برمجة الدماغ على التهديد الدائم. تقليل الضجيج ليس هروبًا، بل حماية عقلية.
المجالات الصغيرة للسيطرة تحارب العجز. الحركة الجسدية، التعليم، الإرشاد، البناء، الرعاية، والإبداع تعيد للإنسان إحساسه بالتأثير المباشر. هذه ليست أنشطة جانبية، بل أدوات استقرار عصبي.
أما الذكاء الاصطناعي، فيجب استخدامه بوعي. من يفوض تفكيره بالكامل للآلة يُسرّع استبداله. ومن يستخدمها لتوسيع فهمه وتعميق حكمه، يرفع قيمته.
النظرة البعيدة: انتقال لا نهاية
عصر الضجيج قد يستمر عقودًا. تاريخيًا، تستقر الفوضى عندما تبدأ الأجيال التي نشأت داخلها بتصميم الأنظمة التي تحكمها. إذا أُعيد ضبط الحوافز وتطورت المؤسسات، سيُنظر إلى هذه المرحلة لاحقًا كمرحلة مؤلمة لكنها ضرورية.
المجتمعات لا تنهار بسبب الأدوات، بل بسبب القصص التي تحكيها عن نفسها. الذكاء الاصطناعي لا يسلب المعنى من الحياة، بل يكشف هشاشة التعريفات القديمة للمعنى.
من يبقى متزنًا، فضوليًا، مسؤولًا، ومتصلًا بالآخرين، لن يختفي. بل سيكون من الذين يشكلون المرحلة القادمة.
بقلم أبو آدم الكسواني