يعتبر اكتشاف ثقب أسود جديد في مجرة قزمية قريبة بمثابة إنجاز علمي هائل يفتح آفاقًا جديدة لفهم كيفية تطور الثقوب السوداء ونموها. هذا الثقب الأسود يختلف عن غيره، حيث إنه غير متمركز في نواة المجرة، بل ينطلق منه نفاثات راديوية قوية، مما يجعله حالة فريدة لدراسة تطور الثقوب السوداء.
الثقوب السوداء: ليست دائمًا في مراكز المجرات
عادة ما تُعتبر الثقوب السوداء بمثابة “قلوب” المجرات، إلا أن الاكتشافات الحديثة تشير إلى أن بعض الثقوب السوداء لا تبقى في مراكز المجرات. بدلاً من ذلك، نجدها متناثرة عبر أقراص المجرات أو أطرافها، مما يجعلها تُعرف بالثقوب السوداء المتجولة. هذه الظاهرة تفتح المجال أمام تساؤلات جديدة حول كيفية نمو الثقوب السوداء في الكون المبكر.
تُعتبر المجرات القزمية مكانًا مثاليًا للبحث عن هذه الثقوب السوداء المتجولة نظرًا لبساطة تاريخها التطوري وكتلتها الصغيرة. تُعد هذه المجرات بمثابة “أحفورات كونية” تحتفظ بأدلة على نمو الثقوب السوداء في بدايات الكون. النظريات تشير إلى أن اندماج المجرات قد يؤدي إلى إزاحة الثقوب السوداء بعيدًا عن مراكزها، مما يجعلها تتجول بعيدًا عن موطنها الأصلي.
اكتشاف جديد: ثقب أسود “متجول وصاخب” في مجرة قزمية
قاد الدكتور AN فريقًا من الباحثين لاكتشاف ثقب أسود في مجرة قزمية تُعرف باسم MaNGA 12772-12704، تقع على بعد 230 مليون سنة ضوئية من الأرض. باستخدام بيانات من مسح MaNGA، تم اكتشاف أن هذه المجرة تظهر علامات نشاط نواة مجرية ضعيفة، إلا أن الإشعاع الراديوي الصادر منها ليس في مركز المجرة الهندسي، بل منحرف عنه بنحو كيلوبارسك واحد.
أظهرت ملاحظات إضافية باستخدام شبكة VLBA أن المصدر يبعد 2.68 ثانية قوسية عن مركز المجرة، مع درجة حرارة سطوع تجاوزت مليار كلفن. كما اكتشفت بنية نفاثة تمتد نحو الجنوب الشرقي. هذه الخصائص تؤكد أن هذا الثقب الأسود ينتمي لفئة الثقوب السوداء ذات الكتلة المتوسطة.
أهمية هذا الاكتشاف النادر
من الناحية الإحصائية، يُعتبر هذا الاكتشاف فريدًا من نوعه. من بين أكثر من 3000 مجرة قزمية في مسح MaNGA، أظهرت 628 منها نشاطًا ممكنًا، لكن فقط MaNGA 12772-12704 حققت معايير “الدليل الثلاثي الصلب”: نواة ذات سطوع عالٍ، نفاثات على مقياس الفرسخ، وتغيرات طويلة الأمد على مدى عقود.
هذا يشير إلى أن الظواهر غير المركزية قد لا تكون نادرة كما يُعتقد. لكن التحقق من هذه الثقوب السوداء المتجولة في المجرات القزمية يتطلب أدلة واضحة وصريحة.
اختراق علمي: مسار جديد لنمو الثقوب السوداء
لطالما اعتُقد أن الثقوب السوداء الهائلة تنمو في مراكز المجرات، مستفيدة من احتياطيات الغاز المركزي. إلا أن هذه الدراسة تُظهر أن الثقوب السوداء المتوسطة الحجم يمكنها أيضًا أن تنمو خارج نواة المجرة، مما يدعم فكرة النمو المتفرق كمسار محتمل لتشكيل الثقوب السوداء الهائلة في الكون المبكر.
وفقًا للدكتور AN، فإن هذا الاكتشاف يدفعنا لإعادة التفكير في تطور الثقوب السوداء والمجرات على حد سواء. حتى عندما تكون موجودة في “ضواحي” المجرة، يمكن للثقوب السوداء المتجولة أن تؤثر على ديناميكيات المجرة وتشكيل النجوم فيها.
الخاتمة
تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة في تحويل الثقوب السوداء المتجولة من مجرد تكهنات نظرية إلى واقع رصدي ملموس. مع التطور المستمر في تكنولوجيا التلسكوبات، قد لا تبقى هذه الثقوب السوداء النادرة طويلاً. في المستقبل القريب، ستتيح لنا المراصد المتطورة دراسة مراكز وأطراف المجرات بدقة أعلى، مما قد يؤدي إلى اكتشافات جديدة حول هذه الثقوب السوداء المتجولة.