في شمال صحراء أتاكاما في تشيلي، يقع كومة من الصخور الكبيرة التي يمكن رؤيتها من الفضاء، وهي تعج بالنشاط الخفي. المليارات من الميكروبات تعمل بجد في إذابة المركبات في هذا الكومة الهائلة من خام النحاس المكسر من منجم إسكنديدا، وهو أكبر منجم نحاس على الكوكب.
الميكروبات: أقدم عمال المناجم
لقد وصف ليز دينيت، مؤسسة ومديرة شركة إندوليث ماينينغ، الميكروبات بأنها “أقدم عمال المناجم في العالم”. لقد قضت الميكروبات مليارات السنوات لتحسين قدرتها على “أكل” الصخور، مما يجعلها أدوات فعالة في عملية تسمى التعدين الحيوي.
العلماء في إندوليث وأماكن أخرى يطورون الميكروبات للحصول على أداء أفضل في التعدين الحيوي، لتعمل بشكل أسرع وتستخرج المزيد من النحاس وحتى المعادن الأخرى. الشركة تختبر أنواع مختلفة من الميكروبات لمعرفة الأكثر كفاءة في العمل، ثم تعرضها لظروف قاسية لتعزيز قدرتها.
التعدين الحيوي: الأمل في تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية
إذا تمكن العلماء من تحسين وتوسيع نطاق التعدين الحيوي، فإن ذلك قد يمكننا من تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية التي أصبحت هشة بشكل متزايد. بحسب بوز بارستو، مهندس بيولوجي وبيئي في جامعة كورنيل، فإن التعدين الحيوي يمكنه كسر احتكار دول مثل الصين للمعادن الحرجة.
مع تحول العديد من الدول إلى الطاقة المتجددة، سيحتاجون إلى معادن مثل الليثيوم، والكوبالت، والنحاس، والنيكل، والزنك. هذه المعادن ليست ضرورية فقط لتوربينات الرياح والألواح الشمسية والبطاريات، بل أيضًا للأجهزة الإلكترونية اليومية.
التحديات البيئية والاقتصادية للتعدين التقليدي
تقنيات التعدين التقليدية مكلفة ومضرة بالبيئة. بعد استخدام المتفجرات والآلات الثقيلة لاستخراج الخام من الأرض، يجب على شركات التعدين عزل وتنقية المعادن المطلوبة. غالبًا ما يتطلب ذلك استخدام الحرارة أو الأحماض، وهما عمليتان لهما تأثيرات بيئية ضارة.
الميكروبات، بالمقابل، يمكنها القيام بنفس العمل بتكلفة وتأثير بيئي أقل. تستخدم الميكروبات تفاعلات الأكسدة والاختزال لكسر الروابط الكيميائية في خام الكبريتيد، مما يحرر المعادن ويذوبها في الماء.
تحديات التعدين الحيوي
رغم الفوائد البيئية والاقتصادية للتعدين الحيوي، إلا أنه يواجه تحديات. العملية أبطأ من الطرق التقليدية، حيث تستغرق الميكروبات عدة أشهر لأداء عملها، وهي حساسة للتغيرات في مستويات الحموضة ودرجة الحرارة والرطوبة.
ومع ذلك، فإن الإمكانية الحقيقية للتعدين الحيوي تكمن في قدرته على استخراج كميات أكبر من الصخور مقارنة بالطرق التقليدية. يمكن للميكروبات استخراج المعادن من المخلفات التي تعتبر عادةً نفايات في عمليات التعدين التقليدية.
الخاتمة
التعدين الحيوي قد يكون الطريقة المستقبلية لاستخراج المعادن بشكل أكثر استدامة وكفاءة. مع التقدم في التكنولوجيا الحيوية، يمكن تحسين قدرة الميكروبات على استخراج المعادن، مما يوفر حلاً بيئيًا واقتصاديًا للتحديات التي تواجه صناعة التعدين التقليدي. هذا التوجه قد يغير الطريقة التي نحصل بها على المعادن الضرورية لتقنيات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الحديثة.