شهدت الأبحاث العلمية الحديثة تقدمًا مهمًا في فهم كيفية معالجة الدماغ للمعلومات البصرية. اكتشف الباحثون أن النظام البصري القديم، المشترك بين جميع الفقاريات، يمتلك القدرة على إنتاج تفاعلات مركزية-محيطية بشكل مستقل، مما يسهم في تمييز الحواف والتباين وتفاصيل البيئة التي تجذب الانتباه.
نظام دماغي قديم يواجه تحديات حديثة
لعقود من الزمن، كان يُعتقد أن هذه العمليات الحاسوبية حصرية للقشرة البصرية في الدماغ. ومع ذلك، أظهرت الأبحاث الجديدة أن الكولليكولوس العلوي، وهو بنية دماغية قديمة من الناحية التطورية، يمكنه أيضًا تنفيذ هذه العمليات بشكل مستقل. يوضح أندرياس كارداماكيس أن القدرة على تحليل ما نراه وتحديد ما يستحق انتباهنا ليست اختراعًا حديثًا للدماغ البشري، بل هي آلية ظهرت قبل أكثر من نصف مليار سنة.
يعمل الكولليكولوس العلوي مثل رادار مدمج، حيث يتلقى الإشارات مباشرة من الشبكية قبل أن تصل إلى القشرة. يساعد في تحديد الأجزاء الأكثر أهمية في المشهد البصري. عندما يتحرك شيء ما أو يلمع أو يظهر فجأة، يتفاعل هذا الهيكل أولاً، موجهًا العينين نحو المحفز الجديد.
الأدوات المتقدمة في دراسة العمليات البصرية
لدراسة كيفية حدوث هذه العمليات، استخدم الفريق أدوات متقدمة مثل علم البصريات الوراثي المنظم، والفيزيولوجيا الكهربائية، والنمذجة الحسابية. من خلال استخدام الضوء لتنشيط مسارات شبكية محددة وتسجيل استجابات في شرائح دماغ الفأر، اكتشفوا أن الكولليكولوس العلوي يمكنه قمع إشارة بصرية مركزية عندما تصبح المنطقة المحيطة نشطة – وهو سمة مميزة لمعالجة المركز-المحيط.
هذا التأثير تم دعمه من خلال رسم الخرائط الخاص بنوع الخلايا والمحاكاة الحاسوبية واسعة النطاق. يوضح كوي سونغ، المؤلف الأول المشارك في الورقة البحثية، أن الكولليكولوس العلوي لا ينقل المعلومات البصرية فحسب، بل يعالجها ويقوم بتصفيةها بنشاط، مما يقلل من الاستجابة للمحفزات الموحدة ويعزز التباين.
الجذور التطورية والأهمية الإدراكية
تتحدى هذه الاكتشافات الاعتقاد التقليدي بأن المعالجة البصرية المعقدة تحدث فقط في القشرة. بدلاً من ذلك، تدعم نموذجًا هرميًا حيث تتعامل البنى الدماغية القديمة مع العمليات الحاسوبية الأساسية المهمة للبقاء، مثل اكتشاف التهديدات، ومتابعة الحركة، أو تجنب العقبات.
فهم كيفية مساهمة هذه البنى الأسلافية في الانتباه البصري يساعد أيضًا في فهم ما يحدث عندما تفشل هذه الآليات. قد تنشأ اضطرابات مثل اضطراب نقص الانتباه، وزيادة الحساسية الحسية، أو بعض أشكال إصابات الدماغ الرضحية جزئيًا من اختلال التواصل بين القشرة وهذه الدوائر الأساسية.
الخاتمة
يمثل هذا البحث تعاونًا دوليًا واسع النطاق بين معهد كارولينسكا والمعهد الملكي للتكنولوجيا في السويد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة. ساهمت هذه الاكتشافات في فهم أعمق لكيفية تطور النظم العصبية، وكيف أن البنى الشبيهة بالكولليكولوس العلوي الموجودة في الأسماك والبرمائيات والزواحف والطيور والثدييات تشترك في هدف مشترك: دمج المعلومات الحسية والحركية لتوجيه النظر والانتباه.
تم دعم هذا العمل من قبل وكالة الأبحاث الحكومية الإسبانية، وبرنامج سيفيرو أوتشوا للتميز، والحكومة الإقليمية في فالنسيا، ومجلس الأبحاث السويدي، ومؤسسة الدماغ السويدية، ومؤسسة أولى إنجكفيست.