لطالما اعتقد العلماء أن الحمض النووي يعيد بناء هيكله المعقد بعد انقسام الخلايا، وهو أمر حيوي لتنظيم نشاط الجينات في الخلايا. لكن الأبحاث الحديثة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تكشف عن أن هذا النموذج المتعارف عليه ليس دقيقًا تمامًا. باستخدام تقنية رسم خرائط الجينوم عالية الدقة، اكتشف الفريق أن الحلقات ثلاثية الأبعاد الصغيرة تبقى سليمة حتى خلال الانقسام الخلوي.
الثبات الهيكلي للحمض النووي أثناء الانقسام الخلوي
لطالما كانت الانقسامات الخلوية تعتبر مرحلة تفقد فيها الخلايا بنيتها الجينية، ولكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هناك بنية مستمرة خلال الانقسام. الحلقات ثلاثية الأبعاد الصغيرة، التي تربط بين عناصر الحمض النووي التنظيمية والجينات، تظل سليمة بل وتزداد قوة عندما تتكثف الكروموسومات استعدادًا للتقسيم. هذا الاكتشاف يساعد في تفسير كيفية احتفاظ الخلايا بذاكرتها الجينية وإعادة تأسيس التفاعلات الجينية بعد الانقسام.
وجد الباحثون أن هذه الحلقات في الواقع تقوى أثناء تكثيف الكروموسومات، مما يقرب العناصر التنظيمية البعيدة معًا ويشجعها على الالتصاق. هذا الاكتشاف يمكن أن يسمح للخلايا “بتذكر” التفاعلات الجينية التي كانت موجودة قبل الانقسام وإعادتها بعد ذلك.
استخدام تقنيات جديدة لفهم البنية الجينية
خلال العقدين الماضيين، اكتشف العلماء أن الحمض النووي في نواة الخلية ينظم نفسه في حلقات ثلاثية الأبعاد. العديد من هذه الحلقات تسمح للجينات بالتفاعل مع مناطق تنظيمية بعيدة، وأخرى تتشكل خلال الانقسام لتعبئة الكروموسومات بإحكام. معظم هذه الخرائط اعتمدت على تقنية Hi-C، لكن هذه التقنية تفتقر إلى الدقة اللازمة لاكتشاف التفاعلات الدقيقة بين الجينات والتسلسل التنظيمي المعروف بالمحفزات.
في عام 2023، طور فريق الباحثين تقنية جديدة تُعرف باسم Region-Capture Micro-C (RC-MC)، والتي تسمح بإنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد مفصلة للغاية للمناطق المستهدفة من الجينوم. باستخدام هذه التقنية، اكتشفوا ميزة هيكلية جديدة أطلقوا عليها “الميكروكومبارتمنت”، وهي حلقات صغيرة متصلة بكثافة تتشكل عندما تتقارب المحفزات والمشغلات المتجاورة.
فهم النشاط الجيني أثناء الانقسام
الاكتشاف الجديد قد يفسر أيضًا زيادة النشاط الجيني التي لوحظت منذ فترة طويلة في نهاية الانقسام. على الرغم من أن العلماء كانوا يعتقدون أن النسخ الجيني يتوقف تمامًا خلال الانقسام، إلا أن دراسات حديثة أظهرت زيادة مؤقتة في النشاط الجيني قبل أن يتوقف مرة أخرى.
وجد فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الحلقات التي تشكل الميكروكومبارتمنت هي أكثر احتمالًا أن تكون بالقرب من الجينات التي تشهد زيادة في النشاط خلال الانقسام. كما اكتشفوا أن هذه الحلقات تتشكل نتيجة لتكثيف الجينوم الذي يحدث خلال الانقسام.
الخاتمة
توضح هذه الدراسة كيف يمكن أن تستخدم الخلايا الذاكرة الهيكلية للحفاظ على نشاطها الجيني عبر الانقسامات الخلوية. الاكتشافات تشير إلى أن البيئة الجينية ليست فارغة تمامًا أثناء الانقسام، بل تحتوي على هياكل دقيقة قد تلعب دورًا في تنظيم النشاط الجيني. بينما يستمر الباحثون في استكشاف كيف يمكن أن تتأثر هذه الهياكل بالتغيرات في شكل وحجم الخلايا، فإن هذه الدراسة تقدم رؤية جديدة حول كيفية الحفاظ على التكامل الجيني عبر الأجيال الخلوية.