في عالم يعاني من ارتفاع معدلات السمنة والمشكلات الصحية المرتبطة بها، تأتي الاكتشافات العلمية لتقديم بصيص أمل جديد. الدهون البنية، التي كانت تُعتبر في السابق مجرد وسيلة لتدفئة الجسم في الأجواء الباردة، أثبتت الآن أنها تملك إمكانيات هائلة في دعم فقدان الوزن وتحسين الصحة الأيضية. في هذا المقال، سنستعرض تفاصيل دراسة حديثة تسلط الضوء على دور الدهون البنية وآلية جديدة يمكن استخدامها لتعزيز فقدان الوزن.
ما هي الدهون البنية؟
الدهون البنية تختلف عن الدهون البيضاء المعروفة بتخزين الطاقة. فبينما تقوم الدهون البيضاء بتكديس السعرات الحرارية، تعمل الدهون البنية على تحويل الطاقة من الطعام إلى حرارة، مما يساعد في الحفاظ على حرارة الجسم في البيئات الباردة. هذا النوع من الدهون يمكن أن يزداد بزيادة التعرض للبرد، وقد اقترح العلماء سابقًا أن تفعيل هذه الدهون يمكن أن يزيد من حرق السعرات الحرارية ويدعم فقدان الوزن.
الدهون البنية تحتوي على ميتوكندريا، وهي مراكز الطاقة في الخلايا، التي يمكن أن تتحول من إنتاج الوقود إلى توليد الحرارة عبر جزيء يعرف بالبروتين المفكك 1. مع ذلك، أظهرت الدراسات أن الفئران التي تفتقر إلى هذا البروتين لا تزال قادرة على حرق الطاقة وإنتاج الحرارة، مما يشير إلى وجود نظام آخر يعمل في الخلفية.
الاكتشاف الجديد: دور البيروكسيسومات
التقدم الجديد في هذا المجال هو اكتشاف دور البيروكسيسومات، وهي هياكل صغيرة داخل الخلايا تعالج الدهون، كمصدر بديل للحرارة في الدهون البنية. عندما تتعرض الفئران للبرد، تتكاثر هذه البيروكسيسومات بشكل كبير. وقد كان هذا التأثير أقوى في الفئران التي تفتقر إلى البروتين المفكك 1 في ميتوكندرياتها، مما يشير إلى أن البيروكسيسومات يمكن أن تعوض عند فقدان القدرة على إنتاج الحرارة.
اكتشف الباحثون أن البيروكسيسومات تحرق الوقود وتطلق الحرارة من خلال عملية تتضمن بروتينًا يسمى أكسيلا كو-أوكسيداز 2 (ACOX2). الفئران التي تفتقر إلى ACOX2 في دهونها البنية كانت أقل تحملًا للبرد، وأظهرت درجات حرارة جسم أقل بعد التعرض للبرد، وكانت حساسية الإنسولين لديها أقل. عند تغذيتها بوجبات غنية بالدهون، اكتسبت وزنًا أكثر من الفئران العادية.
فوائد تعزيز ACOX2 في الدهون البنية
على النقيض من ذلك، أظهرت الفئران المهندسة وراثيًا لإنتاج كميات غير عادية من ACOX2 في الدهون البنية زيادة في إنتاج الحرارة، وتحسنًا في تحمل البرد، وحساسية إنسولين محسنة وتحكمًا أفضل في الوزن عند تغذيتها بنفس النظام الغذائي عالي الدهون.
باستخدام مستشعر حراري فلوري طوره الباحثون، تبين أن خلايا الدهون البنية ترتفع حرارتها عند استقلاب ACOX2 لأحماض دهنية معينة. كما استخدموا كاميرا تصوير حرارية بالأشعة تحت الحمراء لإظهار أن الفئران التي تفتقر إلى ACOX2 أنتجت حرارة أقل في دهونها البنية.
إمكانيات التدخل الغذائي والعلاجي
بينما يستطيع الجسم البشري تصنيع هذه الأحماض الدهنية، توجد أيضًا في منتجات الألبان وحليب الأم البشري وتُنتج بواسطة بعض الميكروبات المعوية. يشير هذا إلى إمكانية وجود تدخل غذائي يستند إلى هذه الأحماض الدهنية، مثل طعام أو بروبيوتيك أو مكمل غذائي “نيوتراسيوتيكال”، يمكن أن يعزز هذا المسار الإنتاجي للحرارة والفوائد التي يبدو أنها تمتلكها.
ذكر الدكتور إرفان لودهي، المشرف الرئيسي على الدراسة، أن هناك أدلة تشير إلى أن هذا المسار ذو صلة بالبشر أيضًا. أظهرت دراسات سابقة أن الأفراد الذين لديهم مستويات أعلى من هذه الأحماض الدهنية يميلون إلى الحصول على مؤشرات كتلة جسم أقل. على الرغم من أن العلاقة ليست سببية، فإن الهدف الطويل الأمد هو اختبار ما إذا كانت التدخلات الغذائية أو العلاجية الأخرى التي تزيد من مستويات هذه الأحماض الدهنية أو تزيد من نشاط ACOX2 يمكن أن تكون مفيدة في تعزيز هذا المسار الإنتاجي للحرارة في البيروكسيسومات ومساعدة الأشخاص على فقدان الوزن وتحسين صحتهم الأيضية.
الخاتمة
الأبحاث الجديدة حول الدهون البنية تكشف عن آليات معقدة يمكن أن تؤدي إلى طرق مبتكرة لفقدان الوزن. من خلال تسليط الضوء على دور البيروكسيسومات وبروتين ACOX2، تفتح الدراسة آفاقًا جديدة للتدخلات الغذائية والعلاجية التي يمكن أن تعزز من عملية تحويل الطاقة إلى حرارة. هذه الاكتشافات تضع الأساس لفهم أعمق لدور الدهون البنية وتقدم حلولاً واعدة لمشكلات السمنة وتحسين الصحة العامة.