تعتبر الثقوب السوداء واحدة من أكثر الأجرام غموضًا في الكون، وتثير اهتمام العلماء بسبب قدراتها الفائقة على التحكم في المادة والطاقة. وفي دراسة حديثة، تمكن فريق بحثي من جامعة غوته في فرانكفورت من تطوير إطار حسابي جديد لفهم كيف يمكن للثقوب السوداء أن تحوِّل طاقتها الدورانية إلى نفاثات نسبية.
خلفية تاريخية عن المجرة M87
في عام 1781، وصف العالم الفلكي شارلز ميسيير بقعة مضيئة في كوكبة العذراء بأنها “سحابة بلا نجوم”، ولم يكن يعلم حينها أنها مجرة ضخمة. لعدة عقود، بقي النفاث الغريب الذي اكتشفه كيرتس في عام 1918 لغزًا محيرًا للعلماء.
في قلب هذه المجرة العملاقة، يوجد الثقب الأسود M87* الذي يحمل كتلة تعادل نحو ستة مليارات ونصف المليار مرة من كتلة الشمس. هذا الثقب يدور بسرعة فائقة، مما يساهم في ظهور نفاث من الجسيمات المشحونة التي تسير بسرعة تقارب سرعة الضوء، ممتدة لمسافة تصل إلى 5000 سنة ضوئية في الفضاء.
دور فريق جامعة غوته في تطوير الأبحاث
بقيادة البروفيسور لوتشيانو ريزولا، طوّر فريق جامعة غوته في فرانكفورت إطارًا حسابيًا جديدًا يعرف باسم “كود فرانكفورت للجسيمات في البلازما” (FPIC). يتيح هذا الأداة للعلماء محاكاة كيفية تحويل الطاقة الدورانية للثقب الأسود إلى نفاثات نسبية بتفاصيل استثنائية.
تشير الأبحاث إلى أن هناك عملية أخرى تلعب دورًا كبيرًا بجانب آلية بلاندفورد-زناجيك المعروفة، وهي إعادة الاتصال المغناطيسي. في هذه الظاهرة، تنكسر خطوط المجال المغناطيسي وتعيد الاتصال، مما يطلق الطاقة على شكل حرارة وإشعاع وانفجارات بلازمية.
العمليات الحسابية الهائلة المطلوبة
لتنفيذ هذه المحاكاة، احتاج الباحثون إلى قوة حسابية هائلة، حيث استخدموا ملايين الساعات من وحدة المعالجة المركزية على حاسوب “غوته” الفائق في فرانكفورت و”هاوك” في شتوتغارت. كانت هذه القدرة الحاسوبية ضرورية لحل معادلات ماكسويل وحركة الإلكترونات والبوزيترونات ضمن إطار نظرية النسبية العامة لأينشتاين.
كشفت الحسابات عن إعادة اتصال مغناطيسي قوية في المنطقة الاستوائية للثقب الأسود، مما يخلق سلسلة من البلازمويدات، وهي كتل بلازمية تشبه الفقاعات النشطة التي تتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء.
نتائج البحث وأهميتها
أظهرت المحاكاة أن هذه النشاطات تنتج جسيمات ذات طاقة سالبة، والتي تساعد في دفع الأحداث الفلكية القصوى مثل النفاثات والانفجارات البلازمية. يقول الدكتور فيليبو كاميلوني، المشارك في مشروع FPIC، “نتائجنا تفتح الاحتمالية المثيرة بأن آلية بلاندفورد-زناجيك ليست العملية الفلكية الوحيدة القادرة على استخراج الطاقة الدورانية من الثقب الأسود، بل أن إعادة الاتصال المغناطيسي تساهم أيضًا”.
يضيف ريزولا أن العمل يوضح كيف يمكن استخراج الطاقة بكفاءة من الثقوب السوداء الدوارة وتوجيهها إلى النفاثات. هذا يتيح لنا تفسير الإضاءة الشديدة للنوى المجرية النشطة بالإضافة إلى تسريع الجسيمات إلى سرعات تقارب سرعة الضوء.
الخاتمة
تعد هذه الأبحاث خطوة هامة نحو فهم أفضل لآليات الثقوب السوداء وكيفية استخراج الطاقة منها. بفضل الأدوات الحسابية المتطورة مثل FPIC، أصبح من الممكن استكشاف ديناميكية البلازما النسبية في الزمكان المنحني بالقرب من الأجرام المدمجة. هذه الاكتشافات لا تساهم فقط في تعميق فهمنا للكون، بل قد تفتح آفاقًا جديدة في دراسة الفيزياء الفلكية وتطبيقاتها العملية.