تخطى إلى المحتوى

اكتشافات جديدة في لغة الشمبانزي وقدرتها على التواصل المعقد

لطالما كانت اللغة البشرية موضوع دراسة واهتمام واسع، إذ تُعتبر اللغة واحدة من أبرز القدرات التي تميز الإنسان عن باقي الكائنات. لكن، ما هو مصدر هذه القدرة الفريدة؟ وكيف يمكن أن تكون هناك أشكال من التواصل المعقد لدى أقرب أقربائنا من الحيوانات، مثل الشمبانزي؟

لغة الإنسان: نظام مركب ومعقد

تُعتبر اللغة الإنسانية نظامًا معقدًا يجمع بين الأصوات والكلمات والجمل لتكوين معاني لانهائية. يتبع هذا النظام قواعد لغوية تحدد كيفية فهم المعاني وتفسيرها ضمن تراكيب الجمل المختلفة. على سبيل المثال، يمكن استخدام كلمة “قرد” لتكوين جمل تركيبية تضيف للمعنى مثل “القرد يأكل” أو تُلحِق به مثل “قرد كبير”، أو جمل اصطلاحية غير تركيبية تُنشئ معنى جديدًا تمامًا مثل “اذهب قردًا”.

تُعد القواعد النحوية أحد المكونات الأساسية للغة، حيث تحدد كيفية تأثير ترتيب الكلمات على المعنى. على سبيل المثال، يختلف المعنى بين “اذهب قردًا” و”القرد يذهب”.

أصول اللغة: دراسة مقارنة

يُعد فهم مصدر القدرة الاستثنائية على استخدام اللغة أحد الأسئلة الأساسية في العلم. يستخدم الباحثون عادةً المقارنة بين إنتاج الصوت لدى الحيوانات الأخرى، وخصوصاً الرئيسيات، مع إنتاج الصوت لدى البشر لتتبع أصول اللغة. على عكس البشر، تعتمد الرئيسيات الأخرى عادةً على نداءات فردية تُعرف بأنواع النداء، ورغم أن بعض الأنواع تقوم بدمج النداءات، فإن هذه التركيبات تكون قليلة لكل نوع وتستخدم غالبًا لتنبيه الآخرين لوجود مفترسين.

تشير هذه الحقائق إلى أن أنظمة التواصل لديهم قد تكون مقيدة للغاية لتكون مقدمة لنظام التركيب المفتوح والمعقد الذي يتميز به اللغة البشرية. ومع ذلك، قد لا تكون لدينا صورة كاملة عن القدرات اللغوية لأقرب أقربائنا الأحياء، وخصوصًا كيف يمكنهم استخدام تراكيب النداء لتوسيع معانيهم بشكل كبير.

دراسة النداءات الصوتية للشمبانزي

قام باحثون من معاهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية ولعلوم الدماغ والإدراك في لايبزيغ، ألمانيا، ومركز علوم الأعصاب المعرفية في فرنسا، بتسجيل آلاف النداءات من ثلاثة مجموعات من الشمبانزي البري في الحديقة الوطنية تاي في ساحل العاج. درس الباحثون كيفية تغيير معاني 12 نداء للشمبانزي عند دمجها في تركيبات تحتوي على نداءين.

توضح هذه الدراسة أربعة طرق يستخدمها الشمبانزي لتغيير المعاني عند دمج النداءات الفردية في 16 تركيبة مختلفة، مماثلة للمبادئ اللغوية الأساسية في اللغة البشرية. استخدم الشمبانزي تراكيب تركيبية تضيف للمعنى وتوضح المعنى، كما استخدم تراكيب اصطلاحية غير تركيبية تُنشئ معانٍ جديدة تمامًا.

نظام تواصل الشمبانزي المعقد

تشير نتائج الدراسة إلى نظام تواصل صوتي مولد للغاية وغير مسبوق في المملكة الحيوانية، يشابه الاكتشافات الحديثة لدى البونوبو التي تشير إلى أن القدرات التركيبية المعقدة كانت موجودة بالفعل لدى السلف المشترك للبشر وهذين النوعين من القردة العليا.

يضيف الباحثون أن هذا يغير وجهات النظر التي سادت القرن الماضي، والتي اعتبرت التواصل لدى القردة العليا ثابتًا ومرتبطًا بالحالات العاطفية، وبالتالي غير قادر على إخبارنا بشيء عن تطور اللغة.

الخاتمة

في الختام، تُظهر هذه الدراسة أن للشمبانزي نظام تواصل صوتي معقد يمكنه تغيير المعاني وتوليدها من خلال تراكيب مختلفة، مما يعيد النظر في فهمنا لتواصل القردة العليا. تعد هذه الاكتشافات خطوة مهمة نحو فهم أصول اللغة البشرية، وتشير إلى أن القدرات التركيبية قد تكون قد بدأت في الظهور لدى أسلافنا المشتركين.