يعتبر قمر إنسيلادوس، الذي يبلغ قطره 500 كيلومتر ويدور حول كوكب زحل، من الأهداف الرئيسية في البحث عن الحياة خارج كوكب الأرض لأكثر من عقدين. في عام 2005، اكتشفت مهمة كاسيني المشتركة بين وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية أعمدة من الماء ترتفع من القطب الجنوبي لهذا القمر، مما كان دليلاً حاسماً على وجود محيط من الماء السائل تحت قشرته الجليدية البيضاء.
اكتشاف جزيئات عضوية معقدة
في الوقت الحالي، وبعد العودة إلى بيانات كاسيني التي انتهت مهمتها في عام 2017، كشف العلماء عن مكونات مثيرة للاهتمام في هذه الأعمدة: مجموعات من الجزيئات العضوية المعقدة التي تشارك على الأرض في الكيمياء المرتبطة بالمركبات الأكبر حجماً والتي تعتبر ضرورية للحياة.
هذا الاكتشاف الذي نُشر في مجلة نيتشر أسترونومي يعزز الاهتمام بإرسال المزيد من البعثات لاستكشاف علامات الحياة على هذا القمر الغامض. إن بعد إنسيلادوس عن الأرض ليس السبب الوحيد الذي جعل هذا القمر يحتفظ بالكثير من الأسرار لفترة طويلة. حيث لم يكن مسبار كاسيني مصممًا لفحص كائن واحد بعينه في نظام زحل بمثل هذا التعقيد.
تحديات تحليل البيانات
واجه العلماء صعوبات في التعامل مع البيانات بسبب انخفاض دقة جهاز مطياف الكتلة المسمى محلل الغبار الكوني الموجود على كاسيني. كان هذا الجهاز يحدد التركيب الكيميائي للغبار بينما كان المسبار يمر عبر الأعمدة. لكن كثافة المواد في الأعمدة كانت كبيرة جداً لدرجة أن الجهاز كان يواجه صعوبة في التعامل معها.
أوضحت البيانات أن الماء العادي يشكل معظم المواد التي تم جمعها، لكن فهم طبيعة الـ 2% المتبقية تطلب الكثير من الجهود والتعديلات في عمليات الجهاز على مدى عدة سنوات، حتى جاءت اللحظة الحاسمة في مناورة في 9 أكتوبر 2008.
الإمكانيات المستقبلية للبحث عن الحياة
أظهرت الدراسات الحديثة أن الأعمدة تحتوي على جزيئات مألوفة وكيميائيات ضخمة ومعقدة كانت قد اكتشفت سابقًا في الطور الجليدي والغبار الذي يطلقه إنسيلادوس في مداره حول زحل. يؤكد وجود هذه المركبات في الأعمدة حديثة الانبعاث أنها نشأت في محيط إنسيلادوس تحت السطحي.
الجديد والمثير في الدراسة هو الكشف عن مركبات جديدة لم تُرى من قبل في الأعمدة، مصدرها من داخل إنسيلادوس ذاته. حيث تم الكشف عن مركبات مثل الإيثرات والإسترات التي تحتوي على الأكسجين وتحتوي على روابط مزدوجة، مما يثير التساؤلات حول إمكانية تكوين مركبات عضوية أكثر تعقيدًا.
الخاتمة
يظل إنسيلادوس واحداً من أكثر الأهداف المثيرة في البحث عن الحياة خارج كوكب الأرض. فالماء والطاقة والمواد الكيميائية الصحيحة، وهي الركائز الثلاثة اللازمة لوجود الحياة، كلها موجودة هناك. إذا فشلت الدراسات المستقبلية في العثور على الحياة، فإن ذلك سيكون له دلالات كبيرة حول ما إذا كانت الحياة تحتاج إلى شيء إضافي. ومع ذلك، تظل فرص العثور على آثار للحياة حية وتستحق الاستثمار في مزيد من البعثات المستقبلية.