يعد سرطان الثدي الثلاثي السلبي أحد أكثر أنواع السرطان تحدياً، حيث يواجه المرضى المصابون به فرص بقاء ضعيفة. يعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الانتشار السريع للخلايا السرطانية إلى أجزاء أخرى من الجسم، وهي ظاهرة تعرف بالانتشار أو النقائل. في دراسة حديثة تم نشرها في مجلة Cancer Discovery، توصل الباحثون إلى نهج علاجي جديد يمكن أن يساعد في وقف الانتشار قبل أن يبدأ، مما يفتح باب الأمل أمام المرضى للتغلب على هذا السرطان القاتل.
فهم دور عدم استقرار الكروموسومات
تكمن مشكلة السرطان في الخلل الذي يصيب عملية انقسام الخلايا، حيث يتم نسخ الكروموسومات – الحزم الوراثية التي تحمل الجينات – وتوزيعها بشكل غير متساوٍ بين الخلايا الجديدة. يؤدي هذا الخلل إلى حالة من عدم الاستقرار الكروموسومي، والتي تتسبب في وجود عدد غير صحي من الكروموسومات في الخلايا السرطانية، مما يزيد من قدرتها على الانتشار.
تحدت الدراسة الجديدة الفكرة الشائعة بأن العلاج يجب أن يضاعف من أخطاء انقسام الخلايا السرطانية لدفعها نحو الموت. بدلاً من ذلك، كشفت النتائج أن استعادة النظام لعملية انقسام الخلايا عن طريق استهداف بروتين يسمى EZH2 يمكن أن يمنعها من الانتشار.
الربط بين علم التخلق والانتشار
وجدت الدراسة أن حوالي 5% من الخلايا في الأورام الأولية لسرطان الثدي الثلاثي السلبي تتميز بخصائص فريدة تجعلها أكثر عرضة للانتشار. تتضمن هذه الخصائص عدم استقرار كروموسومي متزايد وتغيرات في علم التخلق – وهي تعديلات تصيب الحمض النووي أو البروتينات المرتبطة به دون تغيير في الشيفرة الجينية ذاتها.
تؤدي الزيادة في إنتاج بروتين EZH2 إلى إسكات الجينات الرئيسية اللازمة لتقسيم الكروموسومات بشكل صحيح، مما يسبب أخطاء جسيمة في الانقسام الخلوي. من خلال تحليل بيانات المرضى، وجد الباحثون أن مستويات EZH2 المرتفعة ترتبط بتغيرات كروموسومية أكبر، مما وفر أدلة للتجارب المعملية اللاحقة.
فوضى الكروموسومات وتأثيرها
كشف الباحثون أن EZH2 يعمل على إسكات جين يسمى تانكيريز 1، والذي يضمن عادةً عمل الآليات المسؤولة عن فصل الكروموسومات بشكل صحيح خلال الانقسام الخلوي. يؤدي ذلك إلى تراكم بروتين آخر يسمى CPAP، مما يتسبب في تضاعف الهياكل المسؤولة عن سحب الكروموسومات بشكل غير منضبط، وتؤدي إلى انقسامات خاطئة للخلايا.
أظهرت الدراسة أن تثبيط EZH2 يعيد التوازن بشكل ملحوظ، مما يقلل من الانتشار في النماذج ما قبل السريرية. يعد هذا الرابط بين EZH2 وعدم الاستقرار الكروموسومي إنجازاً مهماً في فهم كيفية عمل السرطان.
الخاتمة
توفر هذه الدراسة نهجاً جديداً واعداً لعلاج سرطان الثدي الثلاثي السلبي من خلال استهداف السبب الجذري للانتشار. يمكن أن تكون مثبطات EZH2 أول الأدوية التي تقمع عدم الاستقرار الكروموسومي بشكل مباشر. تفتح الاكتشافات الجديدة الباب أمام التجارب السريرية لاختبار مثبطات EZH2 في أنواع السرطان عالية الخطورة وربما أنواع أخرى من السرطان التي تعاني من عدم استقرار كروموسومي. يعد هذا الإنجاز خطوة كبيرة نحو تحسين نتائج المرضى وزيادة معدلات البقاء على قيد الحياة.