في الذكرى المئوية لميكانيكا الكم، قدمت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم هدية متميزة لهذا الحقل العلمي المثير: جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2025، والتي مُنحت لجون كلارك وميشيل ديفوريت وجون مارتينيز تقديرًا لأبحاثهم التي أجروها قبل أربعين عامًا في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. تمكن هؤلاء العلماء من تحويل التأثيرات الكمومية المثيرة للدهشة إلى مستوى مرئي ومتحكم فيه.
الظواهر الكمومية والتحديات
غالبًا ما يُقال إن ميكانيكا الكم تقتصر على وصف السلوك الغريب للأشياء الصغيرة جدًّا. فعلى المستوى الكمومي، يمكن للجسيمات مثل الإلكترونات أن تتواجد في حالة ضبابية من الاحتمالات، مما يسمح لها بالتنقل عبر حواجز لا تمتلك الطاقة الكافية لتجاوزها فيزيائيًا. هذا السلوك يتناقض تمامًا مع تجربتنا الكلاسيكية حيث تتحرك الكواكب في مدارات محددة والكرات ترتد أو تمر فوق الجدران بدلاً من اختراقها.
لكن كلارك وديفوريت ومارتينيز أثبتوا أن دائرة مرئية بالعين المجردة يمكن أن تقوم بما هو مستحيل كلاسيكيًا: حيث يمكن لبعض الكوادريليونات من الإلكترونات أن تقوم بالتنقل الجماعي داخل الدائرة. ويصف الفيزيائي ألكساندر بلايس من جامعة شيربروك في كيبيك هذا الاكتشاف بأنه “إعادة تعريف لما نعنيه بالفيزياء الكمومية”.
التطبيقات العملية والآفاق المستقبلية
فتح هذا الاكتشاف الطريق أمام تطبيقات عملية هامة، حيث يعتبر بداية للهندسة الكهربائية الكمومية. استخدم الباحثون فيما بعد الدوائر المستوحاة من عمل الثلاثي لمحاكاة الذرات واستشعار الجسيمات التي لا يمكن اكتشافها بطرق أخرى. اليوم، تُعرف هذه الدوائر بأنها المكعبات الكمية، وهي الأساس الذي تُبنى عليه الحواسيب الكمومية.
في مجال الحوسبة الكمومية، تُستخدم الدوائر الفائقة التوصيل كنماذج للذرات، حيث يمكن أن تتنقل بين حالات الطاقة الدنيا والمثارة. هذه الأنظمة الكمومية أثبتت أنها أدوات مثالية لاكتشاف الظواهر الدقيقة التي تطلق موجات ميكروويف، مثل البحث عن الجسيمات المظلمة الافتراضية المعروفة بالأكسيونات.
التحديات التقنية والتحسينات
في الثمانينيات، كانت الفكرة السائدة أن الأنظمة الكمومية الكبيرة قد لا تكون قادرة على الدخول في حالة التراكب الكمومي، حيث يمكن أن تتواجد في حالتين مختلفتين في الوقت نفسه. لكن فريق بيركلي تمكن من إثبات العكس من خلال تبريد دوائرهم إلى درجات حرارة منخفضة للغاية وعزلها عن الضوضاء البيئية.
بعد أن تجاوزوا التحديات التقنية، استطاعوا إثبات أن الإلكترونات يمكن أن تعبر الحواجز حتى في غياب الضوضاء الحرارية. هذا الاكتشاف أدى إلى تحسين تصميمات الدوائر الكمومية، مما أفسح المجال لتطوير الحواسيب الكمومية التي نعرفها اليوم.
الخاتمة
يمثل العمل الرائد لثلاثي بيركلي خطوة كبيرة نحو فهم أعمق لميكانيكا الكم وتطبيقاتها العملية. إن قدرتهم على إثبات أن الأنظمة الكمومية الكبيرة يمكن أن تتواجد في حالات تراكب كمومي قد أحدثت ثورة في كيفية فهمنا وتطبيقنا للفيزياء الكمومية. ومع تواصل الأبحاث في هذا المجال، تظل الإمكانيات المستقبلية غير محدودة، مما يبشر بعصر جديد من الابتكارات في التكنولوجيا والعلوم.