تخطى إلى المحتوى

أضواء في السماء: بين الغموض الكوني وحدود المعرفة الإنسانية

في ليلةٍ هادئةٍ على أطراف الصحراء المغربية، رفع راعٍ رأسه فرأى ضوءاً يتحرك في السماء بخط مستقيم، ثم يتوقف فجأة كأن الزمن انكسر حوله، قبل أن يختفي بلا أثر. في أقصى شمال أوروبا، في وادي هِسْدالِن بالنرويج، يقف باحثون وسط البرد القارس يراقبون أجراماً مضيئة تظهر فوق الجبال ثم تتلاشى. في أمريكا اللاتينية، في آسيا، في إفريقيا، في أستراليا… تتكرر الحكاية نفسها بلغات مختلفة: شيء في السماء لا نفهمه.

هذه ليست قصة دولة بعينها، ولا سردية ثقافة واحدة. إنها قصة بشرية تمتد عبر القارات والقرون. منذ أن بدأ الإنسان يرفع رأسه نحو السماء، والفضاء يمثل له مرآة للغموض، ومسرحاً للأسئلة الكبرى. لكن في زمننا هذا، لم تعد الحكاية مجرد أسطورة تُروى حول نارٍ مشتعلة. نحن نعيش في عصر الأقمار الصناعية، والرادارات فائقة الحساسية، والكاميرات الحرارية، والخوارزميات التي تحلل ملايين البيانات في الثانية. ومع ذلك، لا تزال بعض الظواهر الجوية تُصنف تحت عنوان بسيط ومربك في آنٍ واحد: “غير معروفة”.

غير معروفة… لكنها موجودة.

بين الاعتراف الرسمي وحدود الدلالة

في السنوات الأخيرة، خرج مسؤولون سياسيون وعلميون ليعترفوا علناً بأن بعض المشاهدات الجوية لا تملك تفسيراً نهائياً حتى الآن. الرئيس الأمريكي الأسبق [Barack Obama](chatgpt://generic-entity?number=0) قال في مقابلة تلفزيونية إن هناك أجساماً في السماء “لا نفهمها بالكامل”. لم يكن تصريحاً عن كائنات فضائية، ولم يكن كشفاً عن مؤامرة كونية. كان اعترافاً بوجود فجوات في البيانات.

تقارير صادرة عن [U.S. Department of Defense](chatgpt://generic-entity?number=1) وبالتعاون مع [NASA](chatgpt://generic-entity?number=2) أكدت بدورها أن معظم الحالات يمكن تفسيرها، وأن نسبة صغيرة تبقى غير محسومة بسبب نقص المعلومات، لا بسبب دليل على أصل خارج الأرض.

الأمر نفسه تكرر في دول أخرى. في فرنسا، هناك وحدة رسمية لتحليل الظواهر الجوية غير المفسرة. في بريطانيا، أُفرج عن أرشيفات تاريخية. في البرازيل وتشيلي واليابان وروسيا، ظهرت ملفات تتحدث عن مشاهدات غامضة. وعندما دُققت هذه الوثائق، تكرر النمط ذاته: الغالبية العظمى من الحالات لها تفسير عادي؛ نسبة محدودة فقط بقيت مفتوحة. وهنا تكمن المفارقة: الغموض لا يعني المعجزة، وعدم التفسير لا يعني اختراق قوانين الكون.

حادثة في المحيط… وحسابات تتحدى الحدس

في عام 2004، أبلغ طيارون عسكريون عن جسم أبيض صغير يشبه “الكبسولة” يتحرك فوق المحيط الهادئ. رُصد الهدف بالرادار، وصُوّر بكاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء. ووفق بعض الروايات، بدا وكأنه يهبط من ارتفاع شاهق إلى مستوى منخفض خلال زمن قصير جداً.

لو أخذنا هذه الأرقام حرفياً، فإن الحسابات الفيزيائية ستكون مذهلة. جسم يهبط آلاف الأمتار في أقل من ثانية يحتاج إلى تسارع يساوي آلاف المرات من جاذبية الأرض. الطاقة المطلوبة لمناورة كهذه ستكون هائلة، والاحتكاك الجوي يفترض أن يولد موجات صدمية وحرارة شديدة. لكن لم تُسجل موجات صدمية مؤكدة. لم تظهر آثار حرارية استثنائية. لم يُعثر على بقايا مادية.

عندما يحلل الفيزيائيون مثل هذه الحالات، يبدأون من الهندسة. هناك ظاهرة تُعرف باسم “اختلاف المنظر” أو البارالاكس، تجعل الأجسام البعيدة تبدو وكأنها تتحرك بسرعة كبيرة إذا رُصدت من منصة متحركة بسرعة. إذا كان تقدير المسافة غير دقيق، فإن حساب السرعة يصبح مضللاً. خطأ بسيط في الزاوية، أو في تقدير البعد، يمكن أن يحوّل حركة عادية إلى تسارع يبدو خارقاً. هذا لا ينفي الحدث، بل يعيد وضعه ضمن حدود الفيزياء المعروفة.

ظواهر طبيعية لا تشبه ما نعرفه

في وادي هِسْدالِن بالنرويج، شوهدت أضواء غريبة على مدى عقود. دفع ذلك العلماء إلى إنشاء محطات مراقبة لقياس الطيف الضوئي والمجالات الكهرومغناطيسية. تشير بعض الفرضيات إلى أن الظاهرة قد تكون بلازما طبيعية ناتجة عن تفاعلات جيولوجية. كذلك تُعرف ظاهرة “البرق الكروي”، وهي كرة مضيئة تظهر أحياناً أثناء العواصف الرعدية. لقرون، اعتُبرت أسطورة، ثم وُثقت لاحقاً. الطبيعة قادرة على إنتاج مشاهد تبدو غير مألوفة تماماً.

أحياناً يكون الغموض دعوة للتواضع أمام تعقيد العالم، لا دليلاً على تدخل خارجي.

الحياة خارج الأرض: سؤال إحصائي قبل أن يكون خيالاً

الكون يحتوي على مئات المليارات من المجرات. كل مجرة تضم مئات المليارات من النجوم. اكتشاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية أثبت أن الكواكب ليست استثناءً نادراً، بل قاعدة شائعة. كثير منها يقع في مناطق يُحتمل فيها وجود الماء السائل. الحياة على الأرض ظهرت مبكراً نسبياً، والكائنات الدقيقة تعيش في أعماق المحيطات، وفي بيئات شديدة الحرارة والبرودة. من منظور إحصائي بحت، من الصعب افتراض أن الأرض هي المكان الوحيد الذي ظهرت فيه الحياة.

لكن وجود حياة لا يعني زيارتها لنا. المسافات بين النجوم شاسعة إلى درجة يصعب تصورها. أقرب نجم يبعد أكثر من أربع سنوات ضوئية. السفر بين النجوم يتطلب طاقة هائلة وتقنيات متقدمة جداً، لكنه لا يخالف قوانين الفيزياء المعروفة. لهذا يُعتبر احتمال وجود حضارات أخرى أمراً معقولاً علمياً، وإن كان الوصول بين النجوم تحدياً غير مسبوق.

الأبعاد الأخرى: بين النظرية والحدود التجريبية

تطرح بعض النظريات الفيزيائية الحديثة احتمال وجود أبعاد إضافية. لكن هذه الأبعاد، إن وُجدت، يُعتقد أنها متناهية الصغر ومضغوطة على مقاييس دون الذرية. لا توجد أدلة تجريبية على إمكانية انتقال كائنات كبيرة بين أبعاد. ولا توجد إشارات فلكية إلى “شقوق” في الزمكان تسمح بالعبور. الانتقال بين أبعاد يتطلب طاقات تقترب من مستويات تشكل الكون نفسه. وحتى الآن، لم يُظهر أي مختبر في العالم ظاهرة تشير إلى وجود بوابات مكانية.

من منظور علمي، فرضية الكائنات متعددة الأبعاد أكثر تعقيداً وأقل دعماً بالأدلة من فرضية الحياة خارج الأرض.

بين علم النفس وحدود الإدراك

العقل البشري يبحث عن المعنى. في لحظات المفاجأة أو التوتر، قد يفسر ما يراه بسرعة قبل أن تتوفر كل المعطيات. الطيار الذي يقود طائرة بسرعة هائلة، ويعتمد على شاشات مليئة بالبيانات، قد يواجه مزيجاً من الانعكاسات والإشارات التي يصعب تحليلها فوراً. الرادار يمكن أن ينتج أهدافاً شبحية نتيجة انعكاسات متعددة. الأنظمة الإلكترونية قد تتأثر بتداخلات كهرومغناطيسية. وحتى عندما تتفق عدة أجهزة، قد يكون هناك عامل مشترك يؤثر عليها جميعاً. الثقافة أيضاً تلعب دوراً. صورة “المركبة الفضائية” راسخة في المخيلة الجماعية، ما قد يؤثر في طريقة وصف المشاهدات.

حدود الفيزياء… واحتمال المفاجأة

كل جسم يتفاعل مع غلافنا الجوي يخضع لقوانين حفظ الطاقة والزخم. السرعات الفائقة في الهواء الكثيف تنتج موجات صدمية. التحكم في ذلك يتطلب تقنيات متقدمة جداً. لكن الفيزياء نفسها ليست مكتملة بالكامل. ما زالت هناك أسئلة مفتوحة حول المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وحول توحيد النسبية العامة مع ميكانيكا الكم. العلم لا يدعي الكمال، لكنه يشترط الدليل القابل للتكرار. حتى الآن، لم تُقدم أي ظاهرة جوية مجهولة دليلاً تجريبياً يمكن اختباره في المختبر وإعادة إنتاجه.

نحو فهم أكثر نضجاً للغموض

قد يكون أكثر ما يميز هذا الموضوع هو قدرته على كشف طبيعتنا نحن. نحن لا نحب الفراغ المعرفي. نميل إلى ملء الغموض بقصص مكتملة. لكن العلم لا يعمل بهذه الطريقة. إنه يتقدم خطوة خطوة، من القياس إلى التحليل إلى الفرضية إلى الاختبار. القول إن “هناك أشياء لا نفهمها بعد” ليس اعترافاً بالهزيمة، بل بداية الطريق.

الكون أوسع مما نتخيل. قد يحمل حياة في أماكن بعيدة. قد يكشف لنا في المستقبل ظواهر لم نكتشفها بعد. لكن حتى تظهر أدلة قوية وقابلة للتحقق، يبقى الموقف الأكثر اتزاناً هو الفضول المنضبط. ننظر إلى السماء، لا لنعلن يقيناً، بل لنطرح سؤالاً. والسؤال، في نهاية المطاف، هو أجمل ما في العلم.

الخاتمة

الأضواء في السماء ليست بالضرورة رسائل من حضارات خفية، ولا هي شقوق في نسيج الواقع. لكنها تذكير دائم بأن معرفتنا محدودة، وأن الكون أعقد مما نظن. في عالم سريع يميل إلى الاستنتاجات المتعجلة، ربما تكون الشجاعة الحقيقية هي قبول عدم اليقين. أن نقول: لا نعرف بعد… لكننا نبحث. والبحث هو ما يجعلنا بشراً.